الحرس القديم يعود لحماية النّظام... فهل يكون هو من يرثه؟
التعيينات الأخيرة لا تعكس بالضرورة قوة النظام الإيراني بل ربما تكشف مقدار قلقه؛ فالنظام المستدام يتجه إلى المستقبل، أما النظام الذي يستدعي رجال الماضي لحماية حاضره فإنه يبعث برسالة مختلفة.
ليست التعيينات الأخيرة في إيران مجرد إعادة توزيع للمناصب، بل قد تكون مؤشراً على تحول أعمق داخل بنية النظام. فعودة شخصيات من الحرس القديم إلى قلب المؤسسات الأمنية والعسكرية تقول إن الجمهورية الإسلامية بعد عقود من الثورة لم تجد أمامها في لحظة الخطر سوى رجال البدايات.
وهنا تكمن المفارقة: النظام الذي أراد تصدير ثورته إلى الخارج يبدو اليوم أكثر انشغالاً بحماية نفسه من الداخل.
طبيعة الشخصيات التي أعيد تقديمها إلى مواقع حساسة تكشف أن الأولوية قد لا تكون فقط الاستعداد لمواجهة عسكرية جديدة، بل إحكام السيطرة الداخلية. فالخبرة الأمنية والاستخباراتية والارتباط التاريخي بالحرس والباسيج تصبح أكثر أهمية عندما تخشى السلطة اضطراب الشارع أو تصدع مؤسساتها أو ظهور مراكز قوة جديدة خارج دائرة الثقة التقليدية.
وهذا يقود إلى أزمة أكثر خطورة وهي أزمة الثقة في الجيل الجديد. فبعد قرابة نصف قرن من قيام الجمهورية الإسلامية، كان يفترض أن تكون قد صنعت أجيالاً متعاقبة من القيادات القادرة على حماية النظام واستمرار مشروعه. لكن العودة إلى رجال الحرس القديم توحي بأن عملية الإحلال القيادي لم تنجح كما ينبغي وأن النظام يفتقد أحد أهم شروط البقاء وهو الاستدامة.
في الوقت نفسه، تواجه إيران تناقضاً يمس جوهر سرديتها السياسية. الثورة قامت ضد الملكية والتوريث، لكن التحولات الأخيرة في قمة السلطة تثير تساؤلات حول انتقال النفوذ داخل الدائرة العائلية. وإذا ترسخت هذه الصورة فإن النظام سيواجه سؤالاً صعباً وهو: ما الفرق بين الثورة التي أسقطت التوريث ونظام يعيد إنتاج السلطة داخل دائرة مغلقة؟
وهذا ليس تحدياً داخلياً فقط بل ضربة محتملة لفكرة "تصدير الثورة". فالنموذج يفقد قدرته على الإقناع عندما تتناقض ممارساته مع المبادئ التي استخدمها لعقود في بناء شرعيته.
لكن الأخطر قد يكون داخل النظام نفسه، فالحرس القديم الذي يُستدعى اليوم لحماية الجمهورية الإسلامية يمتلك الخبرة والسلاح والشبكات الأمنية والاقتصادية والنفوذ المؤسسي. لذلك يبرز احتمال استراتيجي لا يمكن تجاهله، وهو ماذا لو تحوّل الحارس مع الوقت إلى وريث؟
لا يعني ذلك أننا أمام انقلاب عسكري تقليدي، ولا معطيات كافية للجزم بذلك، لكن تركز أدوات القوة في أيدي دائرة عسكرية وأمنية ضيقة قد يعيد رسم العلاقة بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري. وعندها قد تتحول الجمهورية تدريجياً من نظام يقوده رجال الدين وتحميه المؤسسة العسكرية، إلى نظام تصبح فيه المؤسسة العسكرية صاحبة الكلمة الأثقل وتحافظ على الغطاء الديني لخدمة شرعيتها.
وهنا تظهر المفارقة التاريخية، وهي أنه قد يكون الحرس الذي أنشأته الثورة لحمايتها هو نفسه القوة التي تعيد تشكيلها بعد ضعفها.
التعيينات الأخيرة لذلك لا تعكس بالضرورة قوة النظام، بل ربما تكشف مقدار قلقه. فالنظام المستدام يتجه إلى المستقبل، أما النظام الذي يستدعي رجال الماضي لحماية حاضره فإنه يبعث برسالة مختلفة.
ربما لم تبدأ نهاية النظام الإيراني بعد، لكن مؤشرات أزمة الاستدامة أصبحت أكثر وضوحاً، والنهاية التي بدت يوماً بعيدة أصبحت اليوم احتمالاً قريباً يستحق أن يؤخذ بجدية.
نبض