التحقيق في انفجار المرفأ قضية أخلاقية أولاً
في المبدأ الكل بريء حتى تثبت إدانته. لكن هنا، كلهم مدانون ما لم يثبتوا براءتهم
ليست قضية انفجار مرفأ بيروت، أو تفجيره، مسألةً قانونية فقط، أو حقوقية، او انسانية، إنها قبل كل شيء، قضية أخلاقية، أو لنقل صارت لا أخلاقية. وإذا كان معظم المتابعين القانونيين والسياسيين يتفقون على أن تأخر التحقيق يعود إلى تداخل عوامل قضائية وسياسية وإجرائية، وليس إلى سبب واحد، فإن الحقيقة التي لا تقبل الشكّ تكمن في قلة أخلاق الطبقة السياسية، وأيضاً الأمنية، التي تحكم هذا البلد وتستبد بهذا الشعب، تارةً بسرقة أمواله وودائعه، وتارةً أخرى بمنع سير العدالة بعد قتلٍ وتفجير، وغض النظر وإغفال معطيات بدوافع متعددة، وتارةً أيضاً بالتلاعب بأمنه ومصيره وصحته، وتوريطه بحروب الأخرين، وجعله وقوداً لها.
أن لا يحضر مسؤولون سياسيون وأمنيون الى التحقيق، فهذا خروج على القانون، وعلى الأخلاق، وعلى المسؤولية أمام التاريخ والناس. هل يعلم هؤلاء ماذا فعلت يمناهم بالبلد، والناس، الأبرياء، الأطفال، بالأملاك والأرزاق، بالسياحة والتجارة؟
حتى القضاء الذي رضخ الى اليوم لتأخير التحقيق وإصدار القرار الظني، متواطىء أو جبان أو شريك. ليس بالضرورة ان يكون شريكاً في التفجير، بل في المصالح التي يتقاسمها مع سياسيين فاسدين.
في المبدأ الكل بريء حتى تثبت إدانته. لكن هنا، كلهم مدانون ما لم يثبتوا براءتهم. المطلوبون منهم الى التحقيق أقلّه.
المشهد تغيّر جزئياً خلال عامي 2025 و2026 بعد استئناف التحقيقات وإنهاء المحقق العدلي القاضي طارق البيطار تحقيقاته الأولية، في ملف من أكبر الملفات القضائية في تاريخ لبنان، يضم آلاف الصفحات من الإفادات والتقارير الفنية والأدلة التقنية.
ورغم التحولات الكبيرة التي حصلت، فإن المشهد لا يزال ضبابياً، ما دام لم يحاكم أحد، ولم يسجن أحد، ولم يعدم أحد. لعلّ الإعدام ينفّذ بأحدهم، قبل الاتفاق على قانون إلغائه. وما دام المرتكبون أحراراً، والعالمون ببواطن الأمور يلتزمون الصمت، والأمنيون غائبون عن تقديم أدلة للتحقيق، وبعض القضاة يتقاسم المنافع مع من في السلطة.
بعد أن أنهى المحقق العدلي طارق البيطار التحقيق في آذار 2026، أحال الملف على النيابة العامة التمييزية لإبداء المطالعة القانونية. هذه المطالعة تُعد خطوةً إلزامية قبل إصدار القرار الاتهامي النهائي وإحالة الملف على المجلس العدلي للمحاكمة.
وقد شاء المدعي العام التمييزي جمال الحجار، تجنّب الملفات الاشكالية في نهاية ولايته، وقبل إحالته على التقاعد. وهذا مؤسف، ألا يسعى قضاة في موقع متقدم، الى تسجيل موقف أو قرار للتاريخ، بل يتحوّل الموقع الى استراحة محارب قبل أن ينهي شاغله مسيرته المهنية، كأنه موقع شرفي يسبق التقاعد فقط.
حالياً، يُنظر بكثيرٍ من التفاؤل والأمل في العهد الجديد، ومع تسلّم القاضي أحمد رامي الحاج، النيابة العامة التمييزية، وهو لم يبلغ بعد مرحلة التقاعد القريب، ما أثار امتعاضاً عند تعيينه بسبب عمره الفتي، إذ تخوف أصحاب طموح من أن يحتل الموقع لعشرٍ أو أكثر من السنين.
لا نريد أن نستبق الأمور مع المدعي العام الجديد، إذ أن التأخير، ولا يعدّ تأخيراً حتى تاريخه، يعود أساساً إلى مراجعة ملفٍ ضخم جداً وإعداد مطالعة قانونية دقيقة، مع استمرار التخوف من أن يؤدي أي نزاعٍ قانوني أو تدخل جديد إلى إبطاء المسار مجدداً.
فهل تطلّ العدالة برأسها، أم تنتصر المصالح السياسية فتعطّل التحقيق من جديد، وتقضي على ما بقي، أو استجدّ من أمل؟ الأيام والتطورات كفيلة الإجابة.
نبض