الحروب الإيرانية التي لا تريدها واشنطن!
تدرك واشنطن أن طهران، كلما ازداد الضغط العسكري المباشر عليها، ستسعى إلى نقل المعركة خارج حدودها عبر أذرعها المنتشرة في لبنان والعراق واليمن، بحيث يصبح ثمن أي ضربة أميركية هو اشتعال الشرق الأوسط بأكمله.
تدرك واشنطن أن طهران، كلما ازداد الضغط العسكري المباشر عليها، ستسعى إلى نقل المعركة خارج حدودها عبر أذرعها المنتشرة في لبنان والعراق واليمن، بحيث يصبح ثمن أي ضربة أميركية هو اشتعال الشرق الأوسط بأكمله. لذلك، تعمل الإدارة الأميركية على بناء طوق احتواء حول هذه الساحات، حتى لو اضطرها ذلك إلى كبح الاندفاعة الإسرائيلية في أكثر من مكان.
في لبنان، تبدو الصورة الأكثر وضوحاً. فواشنطن لا ترغب في أن تعود إسرائيل إلى حرب مفتوحة مع "حزب الله" في هذه المرحلة، حتى عندما يقدم الحزب على عمليات محدودة، كتلك التي استهدفت جرافة إسرائيلية بمسيّرة في تلة علي الطاهر. فالمطلوب أميركياً هو احتواء هذه الحوادث وعدم السماح لها بأن تتحول إلى شرارة مواجهة واسعة تمنح إيران فرصة الادعاء أنها نجحت في فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل.
والمنطق نفسه ينسحب على العراق. فالفصائل الموالية لإيران ما زالت ترسل مسيّرات باتجاه إسرائيل، إلا أن واشنطن لا تبدو مستعدة للسماح بتحول هذه العمليات إلى ذريعة تفتح لإسرائيل جبهة عسكرية داخل الأراضي العراقية. فالهدف الأميركي ليس توسيع دائرة الحرب، بل منع تشعبها.
أما في اليمن، فتشير المؤشرات إلى تفاهم أميركي – سعودي على إبقاء العمل العسكري ضد الحوثيين في حدوده الدنيا حتى إشعار آخر. فاستنزاف الحوثيين ليس أولوية في هذه المرحلة، لأن فتح جبهة واسعة في البحر الأحمر أو داخل اليمن قد يخدم الاستراتيجية الإيرانية أكثر مما يضرها، عبر تشتيت الجهد العسكري الأميركي.
منع إسرائيل من التدخل
في الوقت نفسه، تحرص واشنطن على منع إسرائيل من الانخراط المباشر في الحرب الأميركية – الإيرانية. فهي تريد أن تبقى صاحبة القرار العسكري والسياسي في هذه المواجهة، وألا تتحول إسرائيل إلى طرف يفرض إيقاعاً قد يدفع المنطقة إلى انفجار شامل لا يخدم الأولويات الأميركية.
كما تبقي الإدارة الأميركية مستوى عملياتها العسكرية ضد إيران مرتبطاً مباشرة بأمن الملاحة في مضيق هرمز. فهي لا تسعى، في هذه المرحلة، إلى حرب مفتوحة هدفها إسقاط النظام الإيراني أو تدمير كامل بنيته العسكرية، بل إلى فرض تكلفة مرتفعة على أي تهديد للممرات البحرية الدولية، مع إبقاء باب التهدئة مفتوحاً متى توقفت طهران عن التصعيد.
وبالتوازي مع هذا المسار العسكري، تضغط واشنطن على السلطات الشرعية في لبنان والعراق واليمن لتتحمل مسؤولياتها في مواجهة أذرع إيران داخل أراضيها، انطلاقاً من قناعة بأن تقليص نفوذ هذه الجماعات يجب أن يبدأ من الداخل، لا أن يبقى مهمة أميركية أو إسرائيلية.
إيران تبحث عن جبهات… وواشنطن تغلق الأبواب
من وجهة نظر واشنطن، تحاول إيران الخروج من مأزق الحرب المباشرة مع الولايات المتحدة عبر إشعال ساحات الإقليم، بحيث تتحول أذرعها إلى أدوات ضغط تعوض عجزها عن مواجهة الأميركيين وجهاً لوجه. إلا أن المفارقة تكمن في أن هذه الأذرع نفسها باتت مقيدة باعتبارات داخلية وإقليمية تجعل هامش حركتها أضيق مما ترغب به طهران.
أذرع إيران
"حزب الله"، على سبيل المثال، لا يريد أن يظهر بمظهر الطرف الذي أعاد فتح الحرب مع إسرائيل، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات كارثية على لبنان عموماً، وعلى بيئته الحاضنة خصوصاً. لذلك، يكتفي بتحرشات عسكرية محسوبة، تبقى تحت مستوى الضجة، وتستند إلى معادلة "الحد الأدنى من حق الدفاع عن النفس"، من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة.
أما الفصائل العراقية، فتحاول أن ترسل رسالة مختلفة، مفادها أنها لا تعمل بتوجيه مباشر من إيران، وأن عملياتها لا تجعل طهران مسؤولة تلقائياً عن أي هجوم ينطلق من الأراضي العراقية. إنها محاولة للفصل بين قرارها الميداني والقرار الإيراني، بما يخفف الضغوط على بغداد ويمنحها هامشاً سياسياً أوسع.
وفي اليمن، يبرر الحوثيون محدودية تحركاتهم بالحصار والعقوبات الدولية المفروضة عليهم بموجب قرارات مجلس الأمن، لكن العامل الأكثر تأثيراً يبقى التراجع الحاد في أوضاعهم المالية والاقتصادية، وهو ما يقلص قدرتهم على الذهاب إلى تصعيد أوسع أو خوض مواجهة طويلة الأمد.
هكذا، تبدو الولايات المتحدة كأنها تخوض معركة مزدوجة: مواجهة إيران حيث تمس مصالحها الاستراتيجية المباشرة، ومنعها في الوقت نفسه من تحويل لبنان والعراق واليمن إلى ساحات حرب متزامنة. إنها لا تسعى إلى إخماد كل الحرائق، بل إلى حصرها داخل حدود يمكن السيطرة عليها، بانتظار أن تتضح مآلات المواجهة مع طهران.
نبض