إسرائيل وحروبها المستمرة

كتاب النهار 28-07-2026 | 05:07

إسرائيل وحروبها المستمرة

إسرائيل كانت وتبقى دولة عدوة ومصدر خطر كبير على لبنان. لكن ذلك لا ينفي إسهام أطراف كثيرة في أوقات مختلفة وتحت عناوين شتى في إشعال "الجبهة اللبنانية" أو تسخينها
إسرائيل وحروبها المستمرة
رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو.
Smaller Bigger

يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو آخذ في التصعيد في حروبه الثلاث (لبنان والضفة الغربية وغزة) ولو أن كلا منها يتخذ مسارا عسكريا وسياسيا مختلفا عن الآخر، من حيث الأهداف المعلنة رسميا وتلك غير المعلنة، وهي غير خفية لمن يتابع طبيعة الخطاب الحامل لتلك الأهداف.

 

التوقيت يرتبط مباشرة بـ"حربه الانتخابية"، في انتظار ساعة الحسم في موعد الانتخابات نهاية تشرين الأول المقبل. فبقدر ما يكون الخطاب معبّرا عن أهداف اليمين المتشدد، الديني والسياسي، الحاكم والمهيمن في إسرائيل بأطرافه ومكوناته المختلفة تنظيميا وعقائديا في إطار التشدد عينه، يساهم ذلك في الدفع نحو عودة نتنياهو على رأس الليكود إلى السلطة. 

 

خطاب يقوم على إلغاء الآخر هوية وطنية وحقوقا شرعية تستند إلى التاريخ والقوانين والأعراف والقرارات الدولية ذات الصلة. أصولية دينية وأخرى استراتيجية تحكم السياسة الإسرائيلية في لعبة تحالفات داخلية متغيرة تخضع للاعتبارات السياسية التقليدية ولموازين القوى بين هذه الأطراف في لحظة معينة.  

 

في غزة توسيع تدريجي للخط الأصفر: تضيق الجغرافيا ويزداد الثقل الديموغرافي ليشكل حالة ضاغطة ومتفجرة على الأرض، وبالتالي طاردة للسكان مع الوقت. الأمر نفسه في الضفة الغربية حيث تتوسع عملية تهويد الجغرافيا والديموغرافيا (من خلال تشجيع الاستيطان المحاصِر والمؤدي إلى طرد السكان مع الوقت) مع ما لذلك من مخاوف وتداعيات إذا ما استمرت على دول الجوار المباشر والأبعد.

 

في لبنان ساحة صراع وحروب للآخرين، أيا كانت العناوين لهذه الحروب، دون أن نعفي اللبنانيين من إسهامهم في شكل أو آخر في هذه الحروب، علما أن إسرائيل كانت وتبقى دولة عدوة ومصدر خطر كبير على لبنان. لكن ذلك لا ينفي إسهام أطراف كثيرة في أوقات مختلفة وتحت عناوين شتى في إشعال "الجبهة اللبنانية" أو تسخينها. 

 

استراتيجيات كبرى لقوى إقليمية، ومعها قوى دولية، حاملة (أو معبّرة عن) عقائد أو سياسات جذابة لمكونات سياسية متعددة في مراحل مختلفة أسهمت في جعل لبنان صندوق بريد لتبادل "الرسائل السياسية" ولعبة النفوذ في المنطقة. الضعف أو الشلل أو الغياب الذي اتسمت به الدولة في المجال الأهم في الأمن الوطني الذي هو أساسا من مسؤولياتها الرئيسية (قرار الحرب والسلم) أدى إلى جعل لبنان لسنوات طويلة يقوم بدور صندوق البريد لصراعات النفوذ في الإقليم. وكما نذكر دائما، يتغير اللاعبون ولا تتغير اللعبة. إسرائيل اليوم ترفض احترام قرار وقف النار، منذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه في تشرين الثاني 2024. وما زال الموقف الإسرائيلي هو هو كما نرى نتائجه كل يوم على الأرض. يستمر ذلك رغم التوصل إلى الاتفاق الإطاري التي أدّت واشنطن الدور الرئيسي في صياغته ثم الرعاية الأميركية للمفاوضات المباشرة التي انطلقت في واشنطن قبل أن تنتقل إلى روما. 

 

أيا كانت مواقف هذا الطرف أو ذاك في ما يتعلق بالمفاوضات المباشرة أو بتحسين شروط المفاوضات المباشرة وكيفية إدارتها، يجب الانكباب على توظيف الأوراق التي يمكن توفيرها لتعزيز الموقف اللبناني. الموقف الذي يهدف أساسا إلى "العودة إلى الدولة" من حيث مسؤولياتها الكلية ومهماتها ودورها في كل ما يتعلق بالأمن الوطني، والانتهاء من لعبة التسويات أو التفاهمات الموقتة التي تؤدي إلى وقف النار أو إلى هدن تبقى موقته، أو إلى خفض وتقييد أو تجميد للصراع العسكري، وتنتهي بانتهاء دورها ووظيفتها بالنسبة إلى أيّ من الأطراف المتواجهة والممسكة بالوضع على الأرض. والأمثلة على ذلك كثيرة منذ تفاهم نيسان 1996قبل التحرير والتفاهمات غير المكتوبة بعد حرب تموز 2006التي سقطت مع حرب إسناد غزة.

 

إن الخروج من منطق التسويات الموقتة، أيا كان مدى حياتها، يمرّ أولاً بإعطاء المفاوضات صدقية في بداياتها. يكون ذلك عبر احترام إسرائيل كليا وقف إطلاق النار والتوقف منذ اليوم الأول عن إغراق مسار المناطق التجريبية أو النموذجية في "الرمال المتحركة" للشروط والتعقيدات المتزايدة لما يفترض أن يكون انسحابا تدريجيا مقابل انتشار تدريجي لـ الجيش اللبناني.

 

لعبة الوقت والعمل على إرساء واقع جديد ورفع سقف الشروط التعجيزية التي تكررها إسرائيل كلاما وفعلا، لن تساعد في إنطلاقة فعلية وفعالة للمفاوضات. المطلوب من الشريك والراعي- والبعض يقول المهندس الأميركي للمفاوضات- أن يتخذ موقفا حازما من خلال الضغط على إسرائيل لاحترام وقف النار كليا أو لوقف حربها المستمرة والبدء بمسار الانسحاب الكلي وليس الجزئي أو الانتقائي، وتوفير المساعدات العسكرية والأكثر من ضرورية لسيطرة الجيش كليا على المنطقة الممتدة من جنوب نهر الليطاني إلى الحدود الدولية للبنان (خط الهدنة أولا كما لحظته اتفاقية الهدنة عام 1949والتي لا تملك إسرائيل حق إسقاطها) وبالتالي "تثبيت" الحدود اللبنانية مع إسرائيل التي هي الحدود الدولية للبنان المرسّمة مع فلسطين عام 1923.

 

هنالك دور أكثر من ضروري لواشنطن لكونها المهندس الأساسي للمسار التفاوضي الذي ترعاه، وللدول الصديقة للبنان وتلك المعنية بالاستقرار في المنطقة عبر هذه "البؤرة الساخنة" والجاهزة دائما للانفجار، للدفع في هذا الاتجاه. يكون ذلك بالضغط المباشر على إسرائيل وواشنطن وغيرهما من العواصم الدولية التي تملك أوراقا كثيرة لتوظيفها في هذا المجال لمصلحة الاستقرار، ليس فقط على صعيد الجبهة اللبنانية الإسرائيلية بل على المستوى الإقليمي أيضا.

   

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 7/27/2026 9:39:00 AM
ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا يوضح لـ"النهار"
أوروبا 7/26/2026 2:17:00 PM
أصدرت الشرطة مواصفات للمشتبه به، مشيرة إلى أنه نحيف البنية، يبلغ طوله نحو 1.90 متر، ذو شعر أسود، وكان يرتدي سترة سوداء بغطاء للرأس (هودي) وسروالاً أبيض.
لبنان 7/27/2026 11:00:00 AM
ما الذي يجعل نشاط حركة "عوري تسافون" التي تعني "استيقظ أيها الشمال"، غير قادرة على أخذ موافقة الحكومة الإسرائيلية والقوى العسكرية للدخول إلى جنوب لبنان أو الاستيطان؟