الجمهورية التي ابتلعتها الأسرة

كتاب النهار 21-07-2026 | 04:32

الجمهورية التي ابتلعتها الأسرة

قد تتغير الأسماء، وتتبدل الدساتير، وتتعاقب الأجيال، لكن بقاء آليات إنتاج السلطة على حالها يجعل التغيير أقرب إلى تبدل في الشكل منه إلى تحول في الجوهر...

الجمهورية التي ابتلعتها الأسرة
من أراد أن يفهم إيران، فعليه أن يقرأ مؤسساتها بعين، ويقرأ عائلاتها وتاريخها السياسي بالعين الأخرى. (أ ف ب)
Smaller Bigger

كثيراً ما ننشغل في قراءة السياسة الإيرانية بأسماء الأشخاص، بينما تكمن الأهمية الحقيقية في فهم البنية التي تنتج هؤلاء الأشخاص.

 

ومن يقرأ كتاب "العائلة والسياسة في إيران" الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة)- الرياض، يدرك أن تفسير الحياة السياسية الإيرانية لا يبدأ من الدستور، ولا ينتهي عند المؤسسات الرسمية، بل يمر أيضاً عبر العائلة، وشبكات القرابة، والمصاهرة، والبيوت الدينية والسياسية التي حافظت على حضورها عبر أجيال.

هذا الكتاب يثير سؤالاً مشروعاً: هل تكفي كلمة "الجمهورية" لفهم طبيعة النظام السياسي؟

 

في الفكر السياسي الحديث، تقوم الجمهورية على أن الشعب هو مصدر الشرعية، وأن الوصول إلى قمة السلطة يتم عبر إرادة المواطنين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال مؤسسات تمثلهم. أما حين تصبح عملية إنتاج القيادة محصورة داخل دوائر ضيقة من النخب السياسية والدينية، فإن اسم الجمهورية يبقى قائماً، لكن مضمونه يبتعد تدريجاً عن المعنى الجمهوري المتعارف عليه.


هل هي ظاهرة جديدة في التاريخ الإيراني؟

 

ليست هذه الظاهرة جديدة في التاريخ الإيراني؛ فمنذ قيام الدولة الصفوية في مطلع القرن السادس عشر، تشكلت السلطة حول البيت الحاكم، وتحالفاته مع المؤسسة الدينية والعسكرية. ثم جاءت الدولة القاجارية، فالدولة البهلوية، وتغيرت الأسر الحاكمة، لكن فكرة "الخاندان"، أي البيت السياسي والعائلي، بقيت جزءاً أصيلاً من الثقافة السياسية الإيرانية. تغيرت الألقاب، وتبدلت الرايات، إلا أن آليات إنتاج النفوذ ظلت تميل إلى الدوران داخل دوائر محددة.

وعندما نجحت الثورة الإسلامية عام 1979، اعتقد كثيرون أن إيران دخلت مرحلة مختلفة تقطع مع الإرث الوراثي الذي مثله النظام الملكي. غير أن ما تكشفه التجربة خلال العقود التالية هو أن الثورة غيرت شكل النظام، لكنها لم تقطع بالكامل مع الثقافة السياسية التي تمنح العائلة والعلاقات الشخصية وزناً كبيراً في توزيع النفوذ. فالوراثة لم تعد وراثة للعرش، لكنها أصبحت، في حالات متعددة، وراثة للمكانة، ولشبكات الثقة، ولرأس المال السياسي والديني، لذالك ليس مستغرباً أن يخلف خامنئي ابنه، وإن لم يحز على إجماع في المجمع الذي انتخبه.

وتقدم الحياة السياسية الإيرانية أمثلة متعددة على ذلك. فأسرة لاريجاني ظل أفرادها يشغلون مواقع بارزة في السلطتين التشريعية والقضائية، إضافة إلى مواقع أكاديمية وثقافية مؤثرة. كما برزت أسرة حداد عادل في قلب النخبة السياسية والدينية، وساهمت المصاهرات بين العائلات النافذة في توسيع شبكات الثقة وتعزيز تماسكها. وإلى جانب ذلك، حافظت أسر دينية عريقة في قم ومشهد على حضورها في إنتاج المرجعيات والكوادر التي انتقلت لاحقاً إلى مواقع مؤثرة داخل الدولة.

ولا تعني هذه الأمثلة أن الكفاءة غائبة، أو أن كل مسؤول وصل إلى منصبه بسبب انتمائه العائلي، فمثل هذا التعميم لا يستقيم. لكنها تشير إلى أن الانتماء إلى دوائر اجتماعية وسياسية معينة يفتح أبواباً لا تتاح بالقدر نفسه لغيرها، وهو ما يجعل فهم السياسة الإيرانية مستحيلاً إذا اقتصر على قراءة النصوص الدستورية وحدها.

 

تأثير البنية الداخلية في السياسة الخارجية

 

واللافت أن هذه البنية الداخلية تنعكس أيضاً على السياسة الخارجية. فالدولة التي ترى نفسها امتداداً لتاريخ طويل، وتحكمها نخبة متماسكة بروابط اجتماعية ودينية، تميل إلى النظر إلى الإقليم باعتباره مجالاً حيوياً لدورها ونفوذها. ومن هنا يمكن فهم كثير من السياسات الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج، ليس فقط باعتبارها استجابات أمنية، بل أيضاً باعتبارها تعبيراً عن تصور تاريخي لمكانة إيران في محيطها.

لقد سقط التاج مع سقوط الشاه، لكن فكرة الدولة المركزية صاحبة الرسالة لم تسقط. تبدلت اللغة من قومية ملكية، إلى لغة دينية ثورية، وتغيرت أدوات الشرعية، إلا أن الطموح إلى لعب دور إقليمي واسع بقي حاضراً. وكأن العمامة ورثت جانباً من الوظيفة السياسية التي كان يؤديها التاج، وإن اختلفت المرجعية والشعارات.

مشهد نظام الحكم في إيران يمكن أن يطلق عليه مصطلح "الجملوكية" وهو أقرب إلى الوصف التحليلي منه إلى السخرية السياسية. فالقضية ليست وجود انتخابات أو مؤسسات أو دستور، وإنما السؤال عن كيفية إنتاج السلطة، ومن يملك حق الوصول إليها، وكيف تتجدد النخبة، ومن يحدد حدود المنافسة؟ فإذا كانت هذه العملية تدور داخل شبكة مغلقة نسبياً من البيوت السياسية والدينية، فإن الجمهورية تصبح وصفاً قانونياً أكثر منها ممارسة سياسية مكتملة.

إن قيمة كتاب "العائلة والسياسة في إيران" أنه يلفت إلى ما هو أبعد من الأخبار اليومية. فهو يذكرنا بأن الدول لا تُفهم من نصوصها وحدها، بل من تاريخها الاجتماعي أيضاً. وقد تتغير الأسماء، وتتبدل الدساتير، وتتعاقب الأجيال، لكن بقاء آليات إنتاج السلطة على حالها يجعل التغيير أقرب إلى تبدل في الشكل منه إلى تحول في الجوهر. ومن أراد أن يفهم إيران، فعليه أن يقرأ مؤسساتها بعين، ويقرأ عائلاتها وتاريخها السياسي بالعين الأخرى.

 

الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/20/2026 5:40:00 AM
لا يزال لبنان يراهن على موقف أميركي ضاغط لانتزاع ورقة الانسحاب، في مواجهة الممانعة المتصاعدة والضغوط التي يمارسها "حزب الله"
النهار تتحقق 7/20/2026 11:50:00 AM
تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين غير مسبوقة. "أتوجه إلى السوريين وأقول لهم إن لبنان بلدكم الثاني، وسنعاملكم كأبناء هذا البلد"، يقول جوزف عون في الفيديو.
لبنان 7/20/2026 9:10:00 PM
فرع المعلومات كان قد استدعى عليق في وقت سابق، إلا أنه تخلّف عن الحضور...
لبنان 7/21/2026 12:23:00 PM
أمانة جمارك جديدة يابوس، ضبطت 226 قنبلةً من نوع "RGC"، كانت مخبأة بإحكام ضمن مخابئ سرية داخل إحدى السيارات