"غارات" الزيدي وجنازة خامنئي

كتاب النهار 16-07-2026 | 04:01
"غارات" الزيدي وجنازة خامنئي

ستكشف زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة ما إذا كانت المواكب الجنائزية مجرد تعبير عن قوة مستمرة، أم بداية مرحلة جديدة لا تبقي من نفوذ إيران إلا الطقوس الدينية والمناسبات الجنائزية.

"غارات" الزيدي وجنازة خامنئي
ترامب والزيدي (أ ف ب)
Smaller Bigger

بذل رئيس الحكومة العراقي علي الزيدي جهوداً كبرى لتأكيد أن العراق قد تغير.

قبل أيام من لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، أغارت أجهزة الدولة على واجهات الفساد فأسقطت رؤوساً على نحو غير مسبوق منذ سقوط النظام السابق عام 2003. وقبل وصوله بساعات إلى العاصمة الأميركية، نشرت وسائل إعلام أميركية أنباءً عن احتجاجه أمام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وقائد فيلق القدس إسماعيل قآاني على دعم طهران للفصائل العراقية المسلحة.

مع ذلك، فإن بغداد تواطأت في 8 تموز/يوليو 2026 على تحويل النجف وكربلاء إلى حدث إيراني يحمل رسائل مرمزة إلى واشنطن.

من تلك الرموز: إعلان عطلة رسمية من قبل حكومة الزيدي، وحضور قيادات الإطار التنسيقي (نوري المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي)، ومشاركة الحشد الشعبي بشكل بارز. وفّر الحدث مؤشرات إلى أن النفوذ الإيراني لا يزال قادراً على تعبئة الشارع والمؤسسات الرسمية. قيل إن عدد المشاركين في النجف قُدّر بأكثر من 2.3 مليون شخص، في مواكب بدت كأنها طقوس سياسية ودينية في آن واحد لإعادة تأكيد استمرار نفوذ إيران على شيعة العالم.



رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي (إكس).
رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي (إكس).


حملت المراسم في النجف وكربلاء، حيث درس خامنئي سابقاً، دلالة عميقة. سعت إيران لدمج إرث الزعيم الإيراني داخل التراث الديني الشيعي العراقي الممتد لقرون، مما يعزز صورة خامنئي كمرشد لجزء كبير من الطبقة السياسية الشيعية. لم تكن المناسبة مجرد تعبير عن قوة، بل محاولة لإعادة شحن الروح المعنوية لـ"محور المقاومة" الذي تصدّع بسبب الضربات الأخيرة.

لكن الأمر لم يخفِ امتعاضاً وغضباً من تنظيم جنازة لزعيم أجنبي في البلاد لأول مرة في تاريخ البلاد. اتهم المعارضون الحكومة بالتبعية لإيران، ولا سيما من خلال إعلان عطلة رسمية وتقديم الدعم لإقامة الشعائر وتغطيتها رسمياً. ولم تخفِ المراسم سعي طهران للضغط على الزيدي وتضييق هامش حركته قبل أقل من أسبوع من قمة تجمعه مع ترامب.

أظهرت مشاركة مقتدى الصدر، رغم خصومته التاريخية مع إيران، وشخصيات سنية مثل محمد الحلبوسي وخالد الملا، استمرار قدرة إيران على المحافظة على نوع من النفوذ العابر للطوائف.

لم تُظهر الجنازة تراجعاً دراماتيكياً في النفوذ الإيراني، بل كشفت عن نفوذ مستمر وقوي على المستويين الشعبي والسياسي داخل الوسط الشيعي. لكن الاستخدام لمناسبة الموت والمواكب الجنائزية محاولة لمواراة واجهة مضادة لواقع تراجع قوة ونفوذ إيران في الإقليم.

تأتي "غارات" الزيدي في سياق ما تطالب به واشنطن ومبعوثها الرئاسي توم براك. تريد الولايات المتحدة حصر السلاح بيد الدولة في العراق، وفصل قرار بغداد عن وصاية طهران، وانتهاء ظاهرة الفساد التي باتت مرادفاً للنظام السياسي في البلاد. انخرطَ ترامب بشكل شخصي فجّ في رفض ترشّح نوري المالكي لمنصب رئاسة الوزراء، ودعم وتأييد تولي الزيدي لهذا المنصب. تقصّد من وراء الأمر طيّ صفحة في العراق تتسق مع صفحات تطوى لإيران.

شيء ما تغير في العراق يشبه ما تغير في لبنان. في الحالتين كان العامل الأميركي مفصلياً وأساسياً. فمعركة الولايات المتحدة مع إيران لها واجهات وطبقات نشهد فصولًا منها هذه الأيام في مضيق هرمز، لكن رموزاً أكثر عمقاً تجري في العراق ولبنان.

ستكشف زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة ما إذا كانت المواكب الجنائزية مجرد تعبير عن قوة مستمرة، أم بداية مرحلة جديدة لا تبقي من نفوذ إيران إلا الطقوس الدينية والمناسبات الجنائزية. في العراق من يعتبر "غارات" الزيدي ضد الفساد قنابل دخانية قد لا تقنع ترامب. وفي واشنطن من يؤمن بأن شيئاً قد تغير في العراق، وأن حرب واشنطن ضد طهران لن تسمح بعودة الزيدي وحكومته إلى الوراء.