"حزب الله" لن يشارك في الحرب الواسعة... إن وقعت
ليس "حزب الله" في وضع يسمح له بنفي احتمال أن يبادر إلى فتح تطورت جبهة المواجهات مع إسرائيل، أو التلويح بنقيض هذا الخيار إذا ما تفاقمت الأمور وتفجرت التناقضات وتجددت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.
وعليه، فإن الحزب، رغم ارتفاع منسوب السخونة الحالية، آثر الاعتصام بالصمت ورفض إعطاء إجابات حاسمة عن التساؤلات عما إذا كان سيسارع إلى إسناد حليفته ومرجعيته على غرار ما حصل فجر 2 آذار الماضي عندما أطلق صواريخه الستة في اتجاه الشمال الإسرائيلي، في إعلان صريح منه لانخراطه العملاني في المواجهات التي كانت اشتعلت قبل يومين، عندما انطلقت الطائرات الأميركية والإسرائيلية من أكثر من ساحة لتصبّ حممها على العمق الإيراني، فاتحة الطريق لحرب ثانية من نوعها خلال أقل من عام.
كان لدى الحزب آنذاك جرأة أن يخرج من ينطق بلسانه ويوحي لمن يعنيهم الأمر، على شكل تسريبات، ومصادر بأنه لا يمكنه أن يقف مكتوفاً إذا ما طرأت تطورات دراماتيكية يبدو أنه كان متيقناً من وقوعها، وأبرزها:
- إذا طال أمد الحرب على نحو يجعلها مفتوحة، وليس على شكل حرب أيام، على غرار تلك التي سبقتها ولم تطل أكثر من 12 يوماً.
- أن يلحق أذى مادي بالمرشد الإيراني آنذاك السيد علي خامنئي، الذي هو في الوقت عينه مرجعية الحزب.
لم يمر في حينه أكثر من 36 ساعة على هذه الإيحاءات حتى كانت صواريخ الحزب المنطلقة من قواعدها في الجنوب في طريقها إلى الأراضي المحتلة، محققة يومها الوعد.
مبررات الإسناد
في حينه، كان لدى الحزب من المبررات ما يقنع، ولو نظرياً، بذهابه إلى إسناد إيران:
أولاً، تقديره أن الحرب على إيران هذه المرة هي حرب للإجهاز على المحور، واستكمال مفاعيل تلك التي بدأت عبر عملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الثاني 2023، وهو ما يسمح له بالقاء محايداً.
ثانياً، أن إسرائيل في حينه رفضت التزام مندرجات اتفاق وقف الأعمال الحربية المبرم في 27 تشرين الثاني عام 2024 وواصلت حربها الشرسة على كوادر الحزب وبيئته، وأبقت احتلالها لجزء من الأراضي الجنوبية (التلال الخمس).
بمعنى آخر، كان لدى الحزب أيضا جرأة الإعلان أن مشاركته يومذاك هي بمثابة فرصة ذهبية لكي يعود رقماً في المعادلة ويحجز لنفسه مقعداً في أيّ طاولة مفاوضات ستنصب لاحقاً.
وعليه، يبرز السؤال المطروح حالياً مع احتدام الوضع الإقليمي في الساعات الماضية: هل ما زال في إمكان الحزب أن يسلك الطريق عينه المفضي إلى المشاركة في أيّ حرب يمكن أن تندلع هذه المرة؟
تجدد الحرب؟
في معرض تقييمه العام لمآلات الوضع المحتقن حالياً، يقول الخبير الإستراتيجي العميد الركن المتقاعد الياس فرحات لـ"النهار": "لا شك في أن الأوضاع الإقليمية تبدو متجهة نحو انفجار المواجهات وتجدد الحرب، وخصوصاً بعد القصف الأميركي للعمق الإيراني والرد الإيراني بقصف القواعد الأميركية في بعض دول الخليج، وقد أضيف إلى ذلك في الساعات الماضية عامل توتر آخر رفع منسوب السخونة، تجسد في عودة التوتر بين اليمن الحوثي والسعودية".
ويضيف: "على رغم ذلك، تشير التقديرات لدينا إلى أن تداعيات هذا التسخين والاحتدام لن تقتحم ساحتنا، إذ يبدو واضحاً أن حزب الله ليس في وارد الانجرار نحو التصعيد، والإيراني نفسه لا يبادر هذه المرة إلى ضرب العمق الإسرائيلي، يضاف إلى ذلك أن الإسرائيلي نفسه يستخدم حجة الرفض الأميركي للتصعيد ليعلن أنه ليس في وارد العودة إلى شن حرب أوسع على لبنان، لكنها في النهاية حجة تدل على أنه لن يجنح نحو التصعيد في الساحة اللبنانية".
في المقابل، وعلى رغم أن الحزب يحيط موقفه بالغموض، فإن المشهد الحالي مقارنة بما سبق 2 آذار الماضي يبدو مقلوبا تماما، وبالتالي فإن احتمال التحاق الحزب بركب المواجهات، إن حصلت، ضعيف جدا بناء على اعتبارات عدة أبرزها:
- أن القدرات العسكرية الاستثنائية التي فاجأ الحزب الإسرائيلي بها في مرحلة ما بعد 2 آذار والتي سمحت له بخوض غمار المواجهات الحدودية طوال نحو ثلاثة أشهر، قد استنفدت إلى حد بعيد.
- الحزب كان يرى أن منطقة جنوب نهر الليطاني هي الميدان الذي يقدر على الحركة وتأخير التقدم الإسرائيلي، لذا، بعدما بلغ الزحف البري الإسرائيلي مشارف النبطية وصور وتجاوز في بعض النقاط الليطاني، لم يعد عند الحزب من الإمكانات والمديات الجغرافية ما يسمح له بتسجيل فارق مواجهات نوعية.
- إعلان الحزب التزامه هدنة الستين يوما المنصوص عليها في مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، هو أشبه ما يكون بالتزامه مقتضيات ما بعد هدنة 27 تشرين الثاني عام 2024 التي امتدت لأكثر من 15 شهراً.
في اختصار، فإن "حزب الله" الذي يقيم على معطيات ووقائع تؤكد له أن المواجهات المتقطعة أخيرا بين إيران والولايات المتحدة لا تشي باستعداد الطرفين الذهاب إلى حرب مفتوحة بينهما، سيظل متمسكا بوقف النار ولن يبادر إلى رد واسع على الخروق الإسرائيلية، لكنه في المقابل لن يكشف عن كل أوراقه ويعطي وعداً قاطعاً يثبت أنه قد أخرج نفسه من المعركة نهائياً.
نبض