هل فعلاً غاب فلسطينيو لبنان عن المواجهات مع إسرائيل؟
في ذروة التجاذبات الحادة بين مؤيدي الاتفاق الإطاري الثلاثي بوصفه ممرّاً لسحب بندقية "حزب الله" من المعادلة الحدودية، ومعارضيه بصفته اتفاق "عار" يشرّع الوصاية الإسرائيلية على جنوب لبنان، يفتقد كثر العامل الفلسطيني الغائب عن المشهد، هو الذي كان فارضا حضوره في السابق، وخصوصاً إبّان حرب عامي 2023 و2024 التي أطلق "حزب الله" شرارتها الأولى تحت عنوان "إسناد غزة".
عليه، كان هناك من يسأل عن علّة هذا الغياب ودلائله، وهل هو نوع من "التقيّة" أو نتيجة انقلاب الصورة؟
ما حدث منذ أن قبض على مقاليد الحكم الحالي فريق سياسي جديد، لا يكتم رغبة تتملكه في إخراج كل بندقية يصفها بأنها غير شرعية من معادلة الداخل في أسرع وقت.
كان لافتا أنه مذ وضعت حرب الـ2023 أوزارها عبر اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ونجح دعاة إخراج لبنان من دائرة الصراع التاريخي مع إسرائيل في إمساك القرار السياسي، وشرعوا في تثبيت معادلة "حصرية السلاح بيد الدولة" بعدما وفّروا لها غطاء داخليا وإقليميا واسعا، طرأ تبدل على المشهد الفلسطيني في الساحة اللبنانية، إذ بدأ فريق السلطة في رام الله يتصدّر المشهد، فيما بدا جليا أن حركة "حماس" اختارت أن تمضي في نهج التراجع السياسي والإعلامي والعسكري، خصوصا أن رئيس السلطة محمود عباس حضر إلى بيروت بعنوان تقديم التهاني للحكم الجديد، لكنه شاء أن يقدم له ما هو أهمّ وأبعد، وهو تغطية شرعية لعملية سحب السلاح الفلسطيني من كل مخيمات لبنان، لتكون هذه الخطوة إحدى دعائم توجهات الحكم لـ"حصر السلاح بيد الدولة".
فضلا عن ذلك، أعادت مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير تفعيل دورها وحضورها في المخيمات من جهة وتثبيت نفسها مرجعية حصرية للقرار الفلسطيني في الساحة اللبنانية من جهة أخرى، ولا سيما أن هذه السلطة أطاحت كل ممثليها السابقين في لبنان وأوفدت قيادة جديدة وممثلا آخر مقيما هو ياسر محمود عباس.
وفيما كانت مؤسسات السلطة والمنظمة تتقدم إلى صدارة المشهد الرعائي والخدماتي والأمني في المخيمات، باحتضان رسمي، كانت حركة "حماس" تتعمد تقليصا ملحوظا لمساحة حضورها في لبنان إلى أقصى الحدود، حتى إن الإعلاميين الذين اعتادوا التواصل مع ممثلي الحركة والناطقين بلسانها، فوجئوا بإقفال كل خطوط الاتصال بهم مع سريان معلومات مفادها أن قادة الحركة قد انتقلوا إلى خارج بيروت، في حين أن الحركة نفسها أبطلت كل أنشطتها المعتادة داخل المخيمات وخارجها، وسرى الأمر أيضا على "حركة الجهاد الإسلامي" و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" وسواها من فصائل المحور.
خطة مبرمجة
لاحقا، تبين أن هذا الاحتجاب ما أتى إلا في سياق خطة مبرمجة يراد منها:
- تلافي ضغوط السلطة اللبنانية التي أشهرت في وجهها سيف المطالبة بتسليم سلاحها، وأوكلت إلى لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني الرسمية تذكيرها الدائم بضرورة التسليم وإلا تُدرج في خانة العصاة على القرارات الرسمية، مع العلم أنه سبق لهذا الفصيل أن أبلغ من يعنيهم الأمر أنه ليس لديه ما تبحث عنه السلطات.
- بدا واضحا أن "حماس" بسلوكها هذا تريد أن تتجنب الانزلاق إلى أي مواجهات في المخيمات، خصوصا بعدما استشعرت أن ثمة محاولات لجرها إلى هذا "الفخ".
- بدا أنها تريد فعلا سحب نفسها من مشهد شراكة "حزب الله" في المنازلة العسكرية مع إسرائيل على غرار دورها في حرب العامين الماضيين، لأسباب عدة منها ما يتعلق باتفاق غزة الأخير الذي التزمت فيه وقف الصراع العسكري.
وعلى رغم كل هذه المعطيات والوقائع التي تظهر خروج العامل الفلسطيني للمرة الأولى من معادلة الصراع العسكري مع إسرائيل على حدودها مع لبنان، ثمة وقائع ميدانية تثبت العكس، وتؤكد المشاركة الفلسطينية مع مجموعات "حزب الله" المقاتلة.
في هذا الصدد، يقول الباحث والقيادي الفلسطيني محمود أبو سامر موسى في دراسة نشرها أخيرا إن أكثر من 22 عنصرا فلسطينيا قد سقطوا في مواجهات الجنوب في الآونة الأخيرة.
ويذكر أن بعضهم ينتمي إلى فصائل وبعضهم الآخر اندفع تلقائيا إلى الميدان انطلاقا من اقتناعات شخصية بضروة مواجهة المحتلين.
ويضيف أن هؤلاء "الشهداء" يعيشون في المخيمات من دون أن تتبناهم أيّ جهة أو فصيل بذاته، ويشارك كل أبناء المخيم في التشييع بصرف النظر عن انتماءاتهم التنظيمية.
ويخلص إلى القول إن عشرات المقاتليتن الفلسطينيين قد أدرجوا في خانة مفقودي الأثر في الحربين الحالية والماضية.
الواضح أن ثمة شبه إجماع بين الفصائل الفلسطينية على أن تكون المشاركة في المواجهات من دون عنوان، وأن تتسم بأمرين:
- أن تكون في منأى عن الأضواء الإعلامية.
- أن تكون مشاركة من دون مظلة أي تنظيم أو فصيل.
الأمر في كلا الحالين مقصود، ويندرج في إطار توجه سياسي - أمني جديد للتعامل مع مستقبل الحضور في الساحة اللبنانية.
نبض