لن تتصدّر تركيا المشهد في حرب أميركا وإيران
أثارت الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية مخاوف أمنية متزايدة لدى تركيا تجاه حزب العمال الكردستاني PKK الذي تُجري معه أنقرة محادثات تهدف إلى إنهاء صراع امتد لعقود، وتصنّفه تركيا والولايات المتحدة منظمة إرهابية.
تهدف هذه المحادثات، وقد أُطلق عليها اسم "عملية تركيا خالية من الإرهاب"، إلى تجريد حزب العمال الكردستاني وفروعه في الشرق الأوسط من السلاح، في مقابل إصدار عفو عن مقاتليه وتعزيز الحضور السياسي لـ"حزب المساواة وديموقراطية الشعوب" الموالي للأكراد. يتمتع هذا الحزب بتأييد يراوح بين سبعة وعشرة في المئة من الناخبين الأتراك. ومن شأن هذه الكتلة التصويتية الإسهام في دعم الرئيس رجب طيب أردوغان الذي يحظى تحالفه الحاكم بتأييد يبلغ نحو أربعين في المئة في استطلاعات الرأي، وهو ما يعزز فرصه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ولقد ظهرت تقارير مطلع آب تضمنت إشارة إلى سعي إسرائيل نحو تسليح الفرع الإيراني لـ"حزب العمال الكردستاني" المتمثل في "حزب الحياة الحرة في كردستان". شكّل ذلك تهديداً مباشراً للإستراتيجية الداخلية لأنقرة، إذ من شأن تسليح هذا التنظيم فتح المجال أمام العناصر المتشدّدة داخل "حزب العمال الكردستاني" التي تسعى إلى مواصلة الصراع المسلّح ضد تركيا، للانتقال إلى الفرع المتمركز في إيران. سيمنح ذلك، في حال حصوله، "حزب العمال الكردستاني" زخماً جديداً ويقوّض خطط أنقرة الرامية إلى نزع سلاحه.
في الوقت الراهن، يبدو أن ترامب قد تراجع عن الخطط المُعلنة بدعم التمرد الكردي. يُعزى ذلك بوضوح إلى اعتراضات أنقرة وتدخل الرئيس رجب أردوغان شخصياً. ومع ذلك، في حال تجدد الصراع المباشر وإعادة واشنطن النظر في تسليح "حزب الحياة الحرة في كردستان"، يُرجّح بدرجة كبيرة أن تتخلى أنقرة عن حيادها لتنحاز إلى الجانب الإيراني في الصراع بين إيران والولايات المتحدة.
ماذا عن إسرائيل؟ وهل لها دورٌ في هذه القضية؟ إسرائيل، يقول باحث أميركي من أصل تركي، تحدّثت التقارير عن احتمال تواصلها مع "حزب الحياة الحرة في كردستان" وعن إسهام ذلك في تأجيج التوتر في العلاقات المتدهورة أصلاً بين أنقرة وتل أبيب. وقد يمتد التنافس الإستراتيجي بين البلدين إلى إيران، بعد أن تنجلي الأمور في غزة، حيث تدعم تركيا حركة "حماس"، وفي سوريا حيث تدعم إسرائيل فصائل درزية وغيرها من الجماعات. في ضوء ذلك، على الولايات المتحدة مراقبة علاقات إسرائيل بالجماعات الكردية الإيرانية لمنع مزيد من التدهور بين حليفيها الإقليميين.
من تكون "الركيزة الثالثة" في الشرق الأوسط؟ يمكن توصيف سياسة تركيا تجاه الحرب مع إيران بأنها تتجاوز ثنائية الاستقطاب. فهي تنطلق من درجة متساوية من القلق حيال كل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإسرائيل. وعلى وجه التحديد تبنّت أنقرة مقاربة استراتيجية جديدة رداً على الهجمات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت تركيا وحلفاءها في الخليج العربي، وتحديداً قطر والمملكة العربية السعودية، إلى جانب تصاعد المنافسة مع إسرائيل في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. يستند هذا النموذج الإستراتيجي الجديد إلى تعميق التعاون الأمني مع ثلاث دول تتشابك توجهاتها مع تركيا، هي العربية السعودية ومصر وباكستان. ورغم أن هذا التكتل الرباعي لا يرجّح أن يحل محل التزام تركيا الراسخ تجاه حلف شمال الأطلسي، فإنه يعكس تبلور قطب ثالث في معادلات الشرق الأوسط، وكذلك في ديناميات جنوب آسيا، بالنظر إلى العلاقات الدقيقة التي تربط إسرائيل والهند من جهة وتركيا وباكستان من جهة أخرى. يتخذ هذا القطب مواقف متباينة الحدة تجاه كل من إيران وإسرائيل.
ما خاتمة كل المشروح أعلاه؟ نظراً إلى رغبة تركيا في الحصول على السلاح النووي أو الانزلاق إلى الفوضى، يبدو أن أنقرة تتمتع بموقف مناسب لأداء دور الوسيط في إنهاء الحرب. تأخذ هذه الصيغة في الاعتبار أيضاً التوافق القوي بين أردوغان والرئيس ترامب. لكن تاريخ التنافس الثنائي بين البلدين سيجعل طهران غير راغبة في السماح لأنقرة بحصد فضل إنهاء الحرب. لهذا السبب سارت تركيا على نهج باكستان التي لم تكلل جهودها بالنجاح حتى الآن في التوصل إلى تسوية سياسية نهائية بين إيران والولايات المتحدة. لهذا أيضاً فإن السيناريو الحالي لا يشبه تجربة الحرب السورية، عندما تصدّرت تركيا المشهد في الملفات المرتبطة بالسياسة الأميركية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نبض