من ميتران إلى ماكرون… تاريخ متقلب من العلاقات الفرنسية - السورية
تشكل الزيارة المقررة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدمشق في السادس من تموز/ يوليو الجاري محطة سياسية وتاريخية بارزة، إذ سيكون أول رئيس غربي يزور سوريا ويلتقي الرئيس أحمد الشرع بعد سقوط نظام بشار الأسد. وتؤكد هذه الزيارة أن باريس قررت المضيّ في دعم المرحلة الجديدة في سوريا، رغم استمرار التحفظات والتساؤلات داخل الأوساط الفرنسية والأوروبية حيال مستقبل السلطة الجديدة.
وكان ماكرون أول رئيس غربي يستقبل الشرع، في خطوة أثارت حينها انتقادات واسعة، إذ اعتبر كثيرون أنها جاءت مبكرة، وأن هوية الرئيس السوري الجديد وخياراته السياسية لم تكن قد اتضحت بعد، خصوصاً أنه قاتل في صفوف الجماعات الجهادية ضد نظام بشار الأسد قبل انتقاله إلى العمل السياسي. ومع ذلك، ترى فرنسا أن دعم استقرار سوريا الجديدة يصبّ في مصلحة المنطقة وأوروبا، وأن إعطاء الشرع فرصة لإعادة بناء الدولة قد يكون الخيار الأفضل.
باريس تعود إلى دمشق
وتحمل زيارة ماكرون بعداً اقتصادياً أيضاً، إذ يرافقه وفد من ممثلي شركات فرنسية مهتمة بالمشاركة في إعادة تأهيل الاقتصاد السوري، بعد سنوات من الحرب والدمار. ورغم اهتمام الشركات الفرنسية، فإنها لم تدخل حتى الآن في استثمارات فعلية بسبب استمرار عدم اليقين بشأن الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد. وتأمل باريس أن تفتح الزيارة الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي إذا استمر الاستقرار.
وعلى الصعيد الديبلوماسي، كانت فرنسا من أوائل الدول الغربية التي أعادت فتح سفارتها في دمشق، فقد عيّنت المستشرق والديبلوماسي جان-باتيست فيفر قائماً بالأعمال، وهو يقيم حالياً في بيروت. ومن المتوقع أن يتحوّل وضعه إلى سفير فرنسي مقيم في دمشق بعد زيارة ماكرون، في خطوة تعكس عودة العلاقات الديبلوماسية الكاملة بين البلدين.
ومن المنتظر أيضاً أن يجول ماكرون في شوارع دمشق وأن يحظى باستقبال شعبي، في مشهد يحمل دلالات رمزية على عودة فرنسا إلى الساحة السورية بعد قطيعة استمرت منذ اندلاع الحرب عام 2011، عندما قطعت باريس علاقاتها بنظام الأسد بسبب قمعه الدموي للانتفاضة الشعبية.

محطات في العلاقات الفرنسية - السورية
وتعيد هذه الزيارة إلى الأذهان تاريخاً طويلاً ومعقداً من العلاقات الفرنسية - السورية في عهد الرئيسين حافظ الأسد وابنه بشار. وكانت أول زيارة لرئيس فرنسي لدمشق في عهد حافظ الأسد للرئيس الاشتراكي الراحل فرنسوا ميتران عام 1984. وقد أثارت تلك الزيارة انتقادات حادة داخل فرنسا، لأنها جاءت بعد اغتيال السفير الفرنسي في لبنان لوي دولامار، وهي الجريمة التي وُجّهت أصابع الاتهام فيها إلى النظام السوري، في وقت كان فيه السفير الفرنسي يسعى إلى حماية الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات من الضغوط السورية والإسرائيلية.
وجاءت زيارة ميتران بعد استقالة وزير خارجيته كلود شيسون احتجاجاً عليها، فيما رافقه وزير الخارجية الجديد وصديقه رولان دوما. إلا أن الزيارة انتهت بفشل سياسي، بعدما طالب ميتران خلال المؤتمر الصحافي المشترك بانسحاب القوات السورية من لبنان، ليردّ حافظ الأسد بلهجة قاسية ورافضة، في مشهد اعتُبر آنذاك إهانة للرئيس الفرنسي.
وفي نهاية تسعينيات القرن الماضي، حاول الرئيس جاك شيراك فتح صفحة جديدة مع دمشق، بناءً على نصيحة صديقه رفيق الحريري، الذي كان يعتقد أن تحسين العلاقات الفرنسية - السورية قد يخدم استقرار لبنان. ومن هذا المنطلق شارك شيراك في جنازة حافظ الأسد عام 2000، آملاً بناء علاقة مختلفة مع بشار الأسد. لكن هذه الآمال سرعان ما تبدّدت، بعدما اقتنع بأن الابن كان أكثر تشدداً من والده، خصوصاً بعد اغتيال الحريري وسلسلة من الشخصيات اللبنانية المعارضة للوجود السوري، وهي الجريمة التي أدّت إلى انهيار العلاقة بين باريس ودمشق.
وحاول الرئيس نيكولا ساركوزي، بدوره، إعادة تطبيع العلاقات، فدعا بشار الأسد إلى احتفالات العيد الوطني الفرنسي في 14 تموز، كما استقبل الرئيس اللبناني ميشال سليمان. وأثمرت تلك المرحلة إقامة علاقات ديبلوماسية كاملة وتبادل السفراء بين لبنان وسوريا، وهو ما اعتبره ساركوزي إنجازاً تاريخياً بعدما كانت دمشق ترفض عملياً الاعتراف الكامل بسيادة لبنان. لكن هذا الانفتاح لم يدم طويلاً، إذ انهار بعدما أسقط الأسد حكومة سعد الحريري عبر استقالة وزراء "حزب الله" وحلفائه منها. وحينها اتصل ساركوزي بالرئيس السوري معاتباً إياه، قائلاً إنه لم يفِ بوعده بعدم التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية. وبعدها اندلعت الحرب السورية عام 2011، واتخذت فرنسا موقفاً حاسماً بقطع العلاقات مع نظام الأسد، واستمرت القطيعة حتى سقوطه.
صفحة جديدة
اليوم، ومع وصول الشرع إلى الرئاسة، تبدو فرنسا كأنها تفتح صفحة جديدة مع دمشق، لكنها تفعل ذلك بحذر. فالزيارة المرتقبة لماكرون تحمل رسالة دعم واضحة للسلطة الجديدة ولمسار إعادة بناء الدولة السورية، لكنها في الوقت نفسه لا تلغي الأسئلة المطروحة في باريس والعواصم الأوروبية حول قدرة القيادة السورية الجديدة على تحقيق الاستقرار، وبناء دولة تحترم القانون، وتطمئن السوريين والمجتمع الدولي بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسامات.
نبض