تفاهم هش فوق مياه هرمز

كتاب النهار 02-07-2026 | 04:05

تفاهم هش فوق مياه هرمز

إذا ظل كل طرف يفسر التفاهم بما يخدمه وحده، فسنظل أمام هدنة هشة، قابلة للاهتزاز مع كل موجة جديدة في مضيق هرمز.

تفاهم هش فوق مياه هرمز
مضيق هرمز (أ ف ب).
Smaller Bigger

ليست المحادثات الجارية عبر الوسطاء بين واشنطن وطهران عودة كاملة إلى طريق التفاوض المباشر، كما أنها ليست انهياراً لمسار التهدئة. هي أقرب إلى مرحلة اختبار دقيقة، اختبار لنيات الطرفين، ولقدرة الوسطاء على تحويل مذكرة تفاهم عامة إلى خطوات قابلة للتنفيذ، ولإمكانية منع أزمة محدودة من التحول إلى مواجهة أوسع في منطقة لا تتحمل مزيداً من الاشتعال.

جوهر المشهد أن الطرفين لا يريدان الحرب، لكنهما لا يثقان بالسلام. واشنطن تدرك أن التصعيد مع إيران قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها، خصوصاً إذا مس مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وطهران تعرف أن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة قد تكون باهظة الثمن، لكنها لا تريد أن تخرج من الأزمة بلا مقابل سياسي أو اقتصادي. لذلك تبدو الدوحة اليوم ساحة تفاوض غير مباشر، لا على اتفاق نهائي، بل على كيفية تنفيذ تفاهم موقت، كل طرف يقرأه بطريقته ويسعى إلى تعظيم مكاسبه منه.

 

قطر تُعلن تقدّماً "إيجابياً" في المفاوضات الأميركية–الإيرانية... وجولة جديدة قريباً

 

مضيق هرمز (أ ف ب).
مضيق هرمز (أ ف ب).

 

النقطة الأكثر حساسية هي مضيق هرمز. فإيران تتمسك بما تعتبره حقها في إدارة أمن المضيق، أو على الأقل في أن تكون الطرف الحاسم في أي ترتيبات تخصه. من وجهة نظر طهران، لا يمكن التعامل مع هرمز كأنه ممر دولي مجرد من الجغرافيا والسيادة، ولا يمكن تجاهل الدولة المطلة عليه والقادرة على التأثير في أمنه. أما واشنطن، ومعها القوى المعنية بأمن الطاقة، فترى أن حرية الملاحة في هذا الممر ليست مسألة تفاوض ثنائي مع إيران، بل قضية دولية تمس الاقتصاد العالمي كله.

هنا يظهر الخلاف الحقيقي. إيران تريد الاعتراف بدورها ليس كدولة مطلة على المضيق فحسب، بل كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. والولايات المتحدة تريد منع تحويل هذا الدور إلى حق عملي في التحكم بالملاحة أو استخدامها ورقة ضغط. المسافة بين "تأمين المضيق" و"التحكم به" هي بالضبط المسافة التي تدور حولها المساومة الحالية.

لكن هرمز ليس الملف الوحيد. هناك أيضاً قضية الأموال الإيرانية المجمدة، التي تطرحها طهران باعتبارها اختباراً لصدقية التفاهم. بالنسبة لإيران، أي اتفاق لا ينعكس على الداخل اقتصادياً سيبدو فارغاً، خصوصاً أمام جمهور يعاني من العقوبات، وأمام تيارات داخلية تشكك في جدوى التفاوض مع واشنطن. أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع ملف الأموال بوصفه ورقة ضغط لا ينبغي التفريط فيها قبل ضمان التزام إيراني واضح بالملفات الأمنية والنووية والبحرية.

لهذا تبدو مذكرة التفاهم، حتى الآن، إطاراً أكثر منها اتفاقاً. فهي تمنح الطرفين فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها لا تعالج جذور الأزمة. الخلاف النووي لا يزال قائماً، وأمن الملاحة لا يزال موضع شدّ وجذب، والأموال المجمدة لم تتحول بعد إلى مسار مالي واضح، والثقة بين الطرفين شبه غائبة. لذلك فإن السؤال ليس فقط هل تعود واشنطن وطهران إلى المفاوضات المباشرة؟ بل، هل يستطيع التفاوض غير المباشر أن ينتج ما يكفي من الثقة ليفتح الطريق إلى مرحلة أوسع؟

الأرجح أن العودة السريعة إلى تفاوض مباشر كامل ليست قريبة. فطهران تحتاج إلى إنكار أو تقليل الطابع المباشر لأي حوار مع واشنطن لأسباب داخلية وسياسية، وواشنطن تحتاج إلى أن تظهر أنها لم تقدم تنازلات مجانية. كلا الطرفين يتحدث إلى الآخر، لكن عبر مسافة محسوبة، وعبر وسطاء قادرين على نقل الرسائل من دون أن يتحمل أي طرف تكلفة سياسية فورية للقاء مباشر.

هذا لا يعني أن المسار محكوم بالفشل. بالعكس، مجرد استمرار الاتصالات يعني أن الجميع يدركون خطورة البديل. فإغلاق باب التفاوض قد يعني ارتفاع احتمالات الحوادث البحرية، أو العودة إلى التصعيد في الخليج، أو استخدام أوراق إقليمية أخرى من العراق إلى اليمن ولبنان. كما أن أسواق الطاقة شديدة الحساسية لأي اضطراب في هرمز، وأي تصعيد هناك لن يبقى محصوراً بالجغرافيا الإيرانية الخليجية، بل سينعكس على الاقتصاد العالمي كله.

 

 

رأي
يسرا عادل
بين ظلّ نيكسون ومرآة ترامب
في شتاء عام 1972، هبطت طائرة الرئاسة الأميركية في بكين، في مشهد بدا كأنه خارج من صفحات الخيال السياسي. نزل ريتشارد نيكسون، الرئيس الذي أمضى جزءاً كبيراً من مسيرته في مواجهة الشيوعية، ليصافح ماو تسي تونغ، زعيم الثورة الصينية التي كانت واشنطن تعتبرها عدواً استراتيجياً.

 

من مصلحة دول المنطقة، وبينها مصر، أن يتم احتواء الأزمة لا توسيعها. فاستقرار الممرات البحرية لم يعد ملفاً منفصلًا؛ هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، كلها حلقات في سلسلة واحدة تتصل بأمن التجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي. وأي سابقة تسمح بتحويل ممر بحري إلى ورقة ابتزاز ستنعكس بالضرورة على مجمل النظام الملاحي في المنطقة.

لكن الاحتواء لا يعني التسوية. ما يجري الآن هو إدارة للأزمة لا حل لها. وقد يكون هذا هو أقصى الممكن في المرحلة الحالية. فواشنطن لا تستطيع أن تمنح إيران اعترافاً كاملاً بدور مهيمن في هرمز، وطهران لا تستطيع أن تتخلى عن أهم أوراق قوتها من دون مقابل. وبين الإثنين، تتحرك قطر كوسيط يحاول تفكيك العقد خطوة خطوة، بينما تبقى عمان حاضرة بحكم الجغرافيا والدور التاريخي في ملفات الوساطة وأمن المضيق.

الخطر الأكبر أن ينهار التفاهم بسبب حادث لا يريده أحد، أو بسبب مبالغة أحد الطرفين في اختبار صبر الآخر. حادث بحري محدود، تأخر في الإفراج عن الأموال، خلاف حول صوغ ترتيبات الملاحة، أو تصعيد في إحدى الجبهات الإقليمية، كل ذلك قد يعيد الأزمة إلى مربع أكثر خطورة.

لذلك يمكن القول إن واشنطن وطهران تقفان اليوم في منطقة وسطى، لا حرب شاملة، ولا سلام واضحاً، لا قطيعة كاملة، ولا تفاوض مباشراً معلناً. إنها مساومة مفتوحة فوق مياه شديدة الحساسية. وإذا نجحت الدوحة في تحويل مذكرة التفاهم إلى خطوات تنفيذية، فقد يصبح الطريق إلى التفاوض المباشر ممكناً. أما إذا ظل كل طرف يفسر التفاهم بما يخدمه وحده، فسنظل أمام هدنة هشة، قابلة للاهتزاز مع كل موجة جديدة في مضيق هرمز.

الأكثر قراءة

لبنان 7/1/2026 5:15:00 AM
يرفض قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل التمييز بين ضابط وآخر، إذ يعملون كلهم تحت مظلة القيادة ولا يُسمح لأي جهة بالتدخل في مهمة أي ضابط.
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
فن ومشاهير 6/29/2026 11:13:00 AM
"لم أتمكن من تجاوز هذه الانتكاسة... نمتُ 11 ساعة مجدداً".