هل يرتقي السياسيون اللبنانيون إلى أهمية هذه اللحظة؟

كتاب النهار 30-06-2026 | 04:28

هل يرتقي السياسيون اللبنانيون إلى أهمية هذه اللحظة؟

قد لا يشن "حزب الله" عمله الانقلابي فوراً، لكنه سيحاول شل الحكومة والمجتمع السياسي وترهيبهما، واختراق آليات التنفيذ، أو استفزاز إسرائيل. وهنا تكمن أهمية الدور الخارجي، بوصفه داعماً لا بديلاً من الشجاعة السياسية اللبنانية.
هل يرتقي السياسيون اللبنانيون إلى أهمية هذه اللحظة؟
ماذا بعد توقيع الاتفاق اللبناني الاسرائيلي؟
Smaller Bigger

ليس اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل مجرد أداة لوقف النار، بل هو إعادة تأسيس للوطن والسيادة اللبنانية التي طالما شُرِّعت باسمها كل الانتهاكات. تكمن الأهمية الحقيقية لهذه اللحظة في أنها تنقل القضية اللبنانية من منطق الصراع الذي تديره الميليشيات إلى منطق مسؤولية الدولة.

 

يخلق الاتفاق، الذي وُقِّع في واشنطن في 26 حزيران/يونيو 2026، أساساً عملياً للانسحاب الإسرائيلي، ونشر القوات المسلحة اللبنانية، ونزع سلاح "حزب الله"، وتفكيك البنية التحتية الميليشيوية.

 

وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو العملية بأنها عملية منظمة لاستعادة سيادة لبنان وتمكين إسرائيل من العودة إلى حدودها بمجرد إزالة تهديدات "حزب الله". نعم، ليس هذا اتفاق سلام، لكنه حتماً اتفاق تاريخي، يخلق إمكاناً مؤسسياً للسلام.


اعتراف متبادل بالسيادة!

وعلى عكس اتفاقات وقف إطلاق النار، يعترف الاتفاق موضوعياً بسيادة كلا البلدين، وبحدودهما، والتزاماتهما، ومصالحهما الأمنية. ويشكل هذا الاعتراف وحده باباً يسمح للبنان بالخروج من الارتهان لمصائر الصراع العربي- الإسرائيلي، كما يشكل تحدياً للمنظومة الاقتصادية والسياسية التي ترعرعت في لبنان لتعتاش على الصراع ومنطق الخراب طوال عقود ماضية، بعد أن حوّل "حزب الله" حدود لبنان إلى أصل استراتيجي إيراني.

 

حملت الدولة اللبنانية الراية الوطنية، ووقعت المعاهدات، ودفعت الرواتب، واستوعبت الانهيارات، وطرقت أبواب المساعدة، لكن قرار الحرب والسلام بقي خارج سيطرتها، إذ لم تكن أسلحة "حزب الله" مجرد أصولٍ عسكرية. وفيما ادعى "حزب الله" حماية لبنان، تجلى التناقض الداخلي لهذه اللعبة، التي جعلت لبنان مكشوفاً للعبثية الاستراتيجية لحزب يقدس الموت في سبيل إيران على الحياة من أجل لبنان. وأصبحت "المقاومة" آلية يدفع من خلالها لبنان ثمن قرارات لم يتخذها.

 

يقدم اتفاق واشنطن القوة المضادة: الدولة اللبنانية، المدعومة بالضغوط الأميركية والأوروبية، والاهتمام العربي بالاستقرار، ومطلب اجتماعي لبناني للهروب من اقتصاد الميليشيات والطوارئ الدائمة. 

 

ليست هذه القوة المضادة كافية لهزيمة "حزب الله" بمرسوم، لكنها تمتلك الآن أداة سياسية وقانونية يمكن تنظيم السيادة حولها.

 

بل يكشف الرد الأحمق لـ"حزب الله" أهمية اللحظة. فقد رفض زعيمه الشيخ نعيم قاسم الاتفاق، واصفاً إياه بأنه "باطل وباطل"، واعتبره استسلاماً، مؤكداً نهج الحزب في خرق السيادة اللبنانية. 


"حزب الله" والحرب الأهلية

"حزب الله" لا يعارض الاتفاق لأنه يعتبره إضعافاً لـ لبنان، في حين أن ما يدفع إليه من حرب أهلية هو الذي سيدمر لبنان، بل يعارضه لأنه يضعف التسيّد الغاشم لإيران و"حزب الله".

 

وكانت أهمية اللحظة في توقيتها أيضاً.

 

من جديد، كشف اتفاق اسلام أباد التخادم التاريخي بين إيرن – "حزب الله" وبين المتطرفين المسيانيين الإسرائيليين. وبإعلان الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير أن  "الاتفاق خطأ كبير" أكد تقاطع المصالح بينه وبين إيران - "حزب الله"، ليكرسوا معاً لعبتهم الشيطانية لشرعنة الصراع العقائدي الأبدي، على حساب النازحين والشعب والدولة اللبنانية. إذ يمنح اتفاق إسلام آباد لبنان مجاناً لإيران، ليغدو ساحة للعبة الردع والإيديولوجيا الإيرانية، فيما يتعيش "حزب الله" وأجهزته محتفظاً بحق النقض ضد السيادة اللبنانية. 

 

لكن اتفاق واشنطن، الذي جرى توقيعه في عهدة وزارة الخارجية الأميركية، يكسر هذا الرابط العضوي، ويتجاوز هذه الغفلة الترامبية التي صاغها باراك وكوشنر وويتكوف، في محاولة لتحويل لبنان، الى مجرد بندٍ في مفاوضات إيرانية، لتشمل لبنان في "الجبهة الأوسع"، "حسب التعبير الباكستاني"، ويتحول لبنان تعاقدياً إلى ورقة مساومةٍ أبدية في يد إيران.


مخاطر عديدة

في المقابل، يحتوي الاتفاق على مخاطر كثيرة! 

 

تكمن هذه المخاطر في لعبة جداول التحرك الميداني، خطوة في مقابل خطوة، بين الانسحابات الإسرائيلية والتقدم في إخلاء الجنوب من سلاح "حزب الله". الأمر الذي يتطلب ، إذاً، بقاء الاستنفار السياسي والديبلوماسي اللبناني لمحاصرة مناورات "حزب الله"، والحزم في التفاوض مع إسرائيل.

 

سيكون الصراع الحاسم داخل لبنان، في المؤسسات البيروقراطية، والأمن، واقتصادات الحدود، وشبكات المحسوبية، والنفوذ البلدي، وقنوات إعادة الإعمار، والخوف، إذ لا يجب الاكتفاء بنشر الجنود في الجنوب، بل العمل حثيثاً على إزالة البنية التحتية الإدارية الميليشيوية. وسيكون العبء الأكبر على الجيش الذي تعتمد شرعيته على عقيدة وطنية مناهضة للميليشيات، وصديقة وحاضنة للشيعة.

 

قد لا يشن "حزب الله" عمله الانقلابي فوراً، لكنه سيحاول شل الحكومة والمجتمع السياسي وترهيبهما، واختراق آليات التنفيذ، أو استفزاز إسرائيل. وهنا تكمن أهمية الدور الخارجي، بوصفه داعماً لا بديلاً من الشجاعة السياسية اللبنانية.
ثلاثة سيناريوات تحدد الطريق أمامنا الآن:

الأول هو سيناريو السيادة، ليصبح اتفاق واشنطن رافعة لاستعادة السلطة تدريجاً، ولكن بشكل لا رجعة فيه. وسيعزز دور الجيش، وحصر أموال إعادة الإعمار بقنوات الدولة، الدعم العربي والغربي. 

هذا السيناريو لا ينهي كل الصراع من أجل بقاء لبنان، لكنه يغير اتجاه التاريخ.

 

السيناريو الثاني هو سيناريو التخريب. يحشد "حزب الله" قاعدته، ويهدد بصراع أهلي، ليجبر الدولة على التراجع. فتستأنف إسرائيل الضربات، ويعود لبنان إلى الحلقة المفرغة.
السيناريو الثالث هو الهجين المجمد، بحيث يبقى الاتفاق قائماً رسمياً، لكنه لا يترسخ جوهرياً. فتبقى إسرائيل في مناطق أمنية، ويحتفظ "حزب الله" بقدرات خفية، وينجز الجيش انتشاراً محدوداً، ويتردد المجتمع الدولي في جدوى التوجه الجديد. 

 

وما لم تتعامل القيادة والمجتمع السياسي اللبناني بحزم وبراعة وطنية تاريخية، فثمة خطر أن يكون هذا السيناريو هو الأكثر احتمالاً على المدى القصير.

 

ليس السؤال الجوهري بالنسبة إلى المجتمع السياسي اللبناني إن كان مع الاستقرار والسلام والازدهار، بل ما إذا كان مستعداً للتخلي عن منظومة الماضي ومصالحه، ودعم إعادة بناء الدولة اللبنانية السيدة.

 

لا تكمن الأهمية التاريخية لاتفاق واشنطن في أنه قد يضمن السلام للبنان، بل في أنه يكشف التناقض المركزي في نظام لبنان بعد الحرب. فلا يمكن لبنان أن يحرر أرضه من إسرائيل من دون تحريرها من إيران.

 

السيادة هي الشرط الأساسي لإنجاز تحرير الأرض.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 6/29/2026 5:34:00 PM
بعد عملية رصد ومتابعة دقيقة وبناءً على معلومات استخباراتية تقاطعت حول مكان ‏تواجده
فن ومشاهير 6/26/2026 8:57:00 AM
بحسب مصدر مقرب من العائلة، فإن جورج "كان يرغب دائماً في السير على خطى والده".
فن ومشاهير 6/27/2026 9:21:00 AM
محطات من حياتها الشخصية السابقة، وعلى رأسها خطبتها الشهيرة من المطرب محمد عطية عام 2020.
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.