تشرشل: "الأسوأ من القتال مع الحلفاء القتال من دونهم"
المشاحنات الرئاسية أو المشاجرات مع رؤساء الحكومات الإسرائيلية ليست أمراً جديداً. وإلقاء اللوم على أقدر حليف لـ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يعني مزيداً من العمل للقوات العسكرية الأميركية وليس العكس. يعتقد البعض أن العلاقة بين واشنطن والقدس تنهار، وذلك من جراء التغطية الإعلامية الواسعة للخلاف الذي وقع بين الدولتين الحليفتين في الأسابيع القليلة الماضية.
كان الرئيس ترامب يضغط في خلالها لإقناع إسرائيل بوقف هجماتها على "حزب الله" في لبنان، وهذا مطلب أميركي مفتاحي، وفي الأسابيع القليلة الماضية تساءل ترامب بقوة عن دوافع إعطاء نتنياهو أوامر لطيرانه الحربي بتنفيذ هجمات على العاصمة بيروت، علماً بأن المفاوضات كانت قريبة من التوصل الى نهاياتها. علماً أيضاً بأن هذه المشاحنات والتوترات بين الرؤساء الأميركيين ورؤساء الحكومات الإسرائيليين ليست شيئاً جديداً. فعام 1975 كتب الرئيس جيرالد فورد لرئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين معبّراً عن "خيبة أمله" من الموقف الذي اتخذته إسرائيل في أثناء المفاوضات بين مصر وإسرائيل عام 1973 بعد حرب "يوم الغفران". وحذّر من أن الفشل في التوصل الى اتفاق بينهما "ستكون له انعكاسات بعيدة المدى على العلاقات بيننا". الأمر نفسه حصل بعد هجوم إسرائيل على بيروت بل اجتياحها إياها عام 1982، إذ اتصل الرئيس الأميركي رونالد ريغان برئيس وزرائها مناحيم بيغن وأكد له أنه في حال عدم وقف إسرائيل اجتياحها "فإن علاقتنا المستقبلية كلها ستتعرض للخطر". والرئيس جو بايدن نصح نتنياهو بالاكتفاء بالربح بدلاً من ممارسة المزيد من القمع الحربي. وكان الربح التصدّي بنجاح لهجمات صاروخية إيرانية قوية على إسرائيل في عام 2024.
كيف مورست العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل؟ لهاتين الدولتين مصالح متبادلة وغير متطابقة في آن واحد. وكثيرٌ من الاختلاف أو الفرق بينهما يمكن تفسيره بالقول المأثور: "أين تقف يعتمد على أين تجلس". والاثنان، ترامب ونتنياهو، تحت ضغط الآن لإنجاز نتيجة ناجحة للحرب مع إيران. للأميركي العادي قد يخفض ذلك أسعار الغاز ويُلغي التهديد النووي الذي صارت تشكّله إيران. أما للإسرائيلي ومعه المواطن الإماراتي والكويتي فإن النجاح يعني التخلّص بأمان من صواريخ إيران و"حزب الله" ومسيّراتهم التي لا يمكن اعتبارها تهديداً قوياً ومباشراً للولايات المتحدة. هذه الديناميات طبيعية بين الحلفاء، يقول باحث أميركي جدّي ومهم. فالقادة من قيصر إلى آيزنهاور يعترفون بها. والدول الكبرى تجد نفسها مزعوجة دائماً من أن شركاءها الصغار حجماً لا يفشلون فقط في إنجاز ما يُطلب منهم ويُقال لهم، لكنهم قد يعوّقون العملية التي يقوم بها شريكهم الكبير. في هذه الأثناء ستشعر الدولة الصغيرة بأنها تحت رحمة شريكها الأكبر وأن مهمتها تلبية مطالبه مثل المساهمة في توفير "إمدادات الدعم" والمال، وأنه لن يُقدم طائعاً أو مختاراً على إعطائها مقعداً على طاولة القرار. الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم خلافاتهما، ليسا لهما خيار سوى العيش معاً رغم علاقتهما الوثيقة بل نتيجة لها، علماً بأن إحباطاً كهذا يُلقي الظلام على حقيقة بارزة أو رائعة. فالحرب مع إيران هي الأولى خلال عقود التي خاضت فيها الولايات المتحدة حرباً عسكرية بالاشتراك مع شريك يكاد يكون قريباً منه من حيث القدرات. فإسرائيل اعتمدت على الدعم الأميركي لكنها أخذت على عاتقها قسماً كبيراً من مهمة قصف الأهداف الإيرانية. علماً بأنها حاربت وحدها في المنطقة أعداءً لها وللولايات المتحدة في آن واحد مثل "حزب الله". ولذلك استحقت إسرائيل اسم "الحليف النموذجي".
انطلاقاً من ذلك على ترامب أن يتجنّب إغراءين. أولاً عليه أن لا يستعجل القول إنه قادر على ضبط الوضع الإسرائيلي. فالديبلوماسية تعمل جيداً عندما تسندها التهديدات. وهذا ما تقترحه إسرائيل، إذ مع تنسيق أميركي - إسرائيلي فعّال لا يعود ممكناً تشكيل خطر على الجهود الديبلوماسية لترامب. وأحياناً قد تصنع إسرائيل أشياء تفيد الولايات المتحدة مع علمها بأن الأخيرة غير متحمسة للقيام بها. ففي 2007 دمّرت إسرائيل مفاعلاً نووياً سورياً في عملية جريئة كانت في مصلحة واشنطن كما في مصحلتها هي. أما الإغراء الثاني فهو أن على الرسميين الأميركيين أن يتجنّبوا إلقاء المسؤولية على إسرائيل. وكثيرون بحسن نيّة أو بسوء نيّة قالوا إن الولايات المتحدة ذهبت الى الحرب على إيران في شباط من أجل إسرائيل أو لأنها فرضت ذلك على واشنطن. وهذا أمرٌ خاطئ وتهديداته الأولى بالهجوم على إيران في كانون الثاني نجمت عن استيائه الشديد من قمع النظام الإيراني شعبه بوحشية كبيرة جداً.
والإشارة بالإصبع إلى إسرائيل قد تكون تعبيراً عن معالجة ذاتية، لكن ذلك يهدّد باستهداف التأييد لعلاقة أميركية - إسرائيلية. علماً بأنها قد تكون تمر بمرحلة صعبة حالياً من جرّاء اختلاف وجهات النظر بين الفريقين حول غزة وقضايا إقليمية أخرى. لكن إضعاف "حليفنا" الأقدر في الشرق الأوسط يعني زيادة أعباء العمل والتحرّك في المنطقة على الولايات المتحدة وليس خفضاً لها. الحلفاء يشعرون بالإحباط عادةً، لكن كلما اقترب بعضهم من بعض زاد إحباطهم. وكما لاحظ الزعيم البريطاني الراحل وينستون تشرشل "الشيء الوحيد الأسوأ من القتال مع الحلفاء هو القتال من دونهم".
نبض