من "باكس أميركانا" إلى "باكس إيرانا": هل فعلها دونالد ترامب سهواً أو عمداً؟

كتاب النهار 21-06-2026 | 06:10
من "باكس أميركانا" إلى "باكس إيرانا": هل فعلها دونالد ترامب سهواً أو عمداً؟

دخل دونالد ترامب الحرب على إيران تحت عنوان تثبيت "باكس أميركانا"، فانتهى إلى فتح الباب أمام "باكس إيرانا" كما يتصوره الحرس الثوري الإيراني...

من "باكس أميركانا" إلى "باكس إيرانا": هل فعلها دونالد ترامب سهواً أو عمداً؟
ترامب سيواجه أسئلة على الصعيد العالمي كما في الداخل الأميركي (أ ف ب)
Smaller Bigger

دخل دونالد ترامب الحرب على إيران تحت عنوان تثبيت "باكس أميركانا"، فانتهى إلى فتح الباب أمام "باكس إيرانا" كما يتصوره الحرس الثوري الإيراني: سيطرة على مضيق هرمز، أموال ترفع الخناق الاقتصادي عن النظام، وورقة لبنانية تُستخدم لمنافسة إسرائيل على العلاقة مع الولايات المتحدة لا لمجرد محاربتها عبر لبنان.

لم يحدث ذلك لأن الجمهورية الإسلامية انتصرت عسكرياً، ولا لأن الولايات المتحدة هُزمت عسكرياً، بل لأن الرئيس الأميركي تخلّى عن أدوات الضغط قبل أن يحصل على الأثمان السياسية والاستراتيجية التي خاض الحرب من أجلها. تخلى عن ورقته الرابحة برفعه الحصار البحري بمجرد أن وقّع مذكرة تفاهم عائمة. فتح لنفسه باب الخروج من مأزق شخصي من دون أن يؤمّن للولايات المتحدة استراتيجية خروج من الحرب التي بدأها ثم تراجع عنها... وسيُحاسَب.

هذه الغلطة ستلاحق ترامب في الداخل الأميركي قبل الخارج. فهو لم ينتقل من الحرب إلى التسوية بقدر ما انتقل من مأزق عسكري إلى مأزق استراتيجي. المؤسسة الحاكمة في واشنطن لا تشاركه الرهان على حسن نية الجمهورية الإسلامية. وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية وأصوات نافذة في الكونغرس، وبين الجمهوريين وداخل حركة "ماغا"، لا ترى في مذكرة التفاهم ضمانة بل مجازفة. السبب واضح: ما حصلت عليه إيران فوري وملموس، وما وعدت به مؤجل ومشروط وقابل للمماطلة.

رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية ليس تفصيلاً تقنياً. إنه فك الخناق الاقتصادي عن النظام في لحظةٍ كان الضغط فيها من أكثر أدوات واشنطن فعالية. الإفراج عن الأموال وفتح الطريق أمام رفع العقوبات والتعهدات المالية وصناديق التعويض وإعادة الإعمار لا تعني فقط إنعاش الاقتصاد الإيراني، بل تعني ضخ الأوكسيجين في شرايين النظام الذي كانت واشنطن تتحدث قبل أشهر عن ضرورة استسلامه. بذلك انتقلت الإدارة الأميركية من سياسة الإخضاع إلى سياسة التمويل المشروط بحسن الظن، وهذا ما يمنح الحرس الثوري فرصة ثمينة لإعادة ترتيب أوراقه.

الجمهورية الإسلامية تقرأ المذكرة بلغةٍ مختلفة عن لغة ترامب. الرئيس الأميركي يريد أن يقول إنه أوقف الحرب وفتح هرمز ومنع السلاح النووي، انما كلامه ليس دقيقاً إطلاقاً. أما طهران فتتصرف على أساس أنها انتزعت اعترافاً عملياً ببقاء النظام، وبحقها في الوقت، وبقدرتها على تحويل التفاوض مع "الشيطان الأكبر" من محرّم عقائدي إلى وسيلة لتثبيت السلطة. لم تتخلَّ إيران عن عقيدتها، بل عدّلت أدواتها. فاوضت حين أصبح التفاوض طريقاً إلى الأموال، وفتحت الباب حين صار الباب يؤدي إلى بقاء الحرس الثوري لا إلى إضعافه.

الستون يوماً لن تكون على الأرجح مهلة لإنجاز الاتفاق، بل بداية معركة استنزاف جديدة. إيران بارعة في شراء الوقت، وترامب لا يملك ترف الوقت. ستسعى طهران إلى تحويل الستين يوماً إلى تسعين ومئة وعشرين، لا لأنها تريد انهيار المذكرة، بل لأنها تريد تحويلها إلى إطارٍ ينهك أعصاب ترامب ويحقر أميركا ويقيّد واشنطن من دون أن يقيّد الجمهورية الإسلامية.

الولايات المتحدة رفعت الحصار وسهلت تدفق الأموال على النظام قبل أن تحصل على التزامات قاطعة حول اليورانيوم المخصب وبرنامج ايران النووي والصواريخ والمسيّرات والأذرع والوكلاء، وبهذا تكون قد بدأت التفاوض من موقع أضعف مما كانت عليه قبل المذكرة.

لبنان الضحية كشف هذا الخلل قبل غيره. تعامل ترامب معه مرة كمسألة ثانوية، ثم تحدث عن دورٍ للرئيس السوري أحمد الشرع في نزع سلاح "حزب الله". هذه ليست زلة لسان، بل مؤشر على خللٍ ليس في فهم تاريخ العلاقة السورية مع لبنان فحسب، وإنما في فهم العقيدة الإيرانية. فـ"حزب الله" ليس مجرد ذراع عسكرية للحرس الثوري الايراني في لبنان.

لبنان ورقة استراتيجية في يد طهران تستخدمها لمحاربة إسرائيل عبر لبنان، ولمنع قيام دولة لبنانية كاملة السيادة. والأهم أن طهران مصرة على إقحام نفسها في أي هندسة أميركية ـ إسرائيلية للنظام الإقليمي، وهي واثقة بقدرتها الآن على منافسة اسرائيل في التموضع لدى دونالد ترامب.

بكلام آخر، إيران لا تريد لبنان خارج التفاهمات الأميركية ـ الإيرانية لأنها تعتبر أن الورقة اللبنانية تمنحها موقعاً تفاوضياً يتجاوز حجم لبنان نفسه. هي لا تستخدم حزب الله لتهديد إسرائيل فحسب، بل لتنافس إسرائيل على العلاقة مع الولايات المتحدة.

فكلما احتاجت واشنطن إلى ضبط الجبهة اللبنانية أو إلى إنجاح مفاوضات لبنانية ـ إسرائيلية أو إلى ضمان انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، عادت إلى الحاجة إلى طهران. هنا يكمن جوهر اللعبة الإيرانية: أن تجعل نفسها ممراً إلزامياً لأي ترتيبٍ في لبنان إضافة الى أي ترتيب إقليمي.

لذلك لم يكن لبنان هامشاً في تعثر تنفيذ المذكرة، بل كان أحد مفاتيحها. وسيبقي. إسرائيل لا تقبل تسوية لا تتضمن ضمانات حقيقية حول سلاح "حزب الله" ودور الحرس الثوري. والدولة اللبنانية لا تستطيع استعادة سيادتها إذا بقي القرار العسكري والأمني في يد قوة مرتبطة بطهران.

ولو تمكن دونالد ترامب من التعاطي مع إسرائيل بالصرامة الكافية لإجبارها على الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، لكان ذلك إنجازاً مهماً للبنان وللمنطقة. إنما ذلك يتطلب من ترامب أن يكون قادراً على إرغام الحرس الثوري الإيراني على رفع يده عن لبنان، والتوقف عن منع الدولة اللبنانية من احتكار السلاح وتجريد "حزب الله" منه. عندئذ يصبح ذلك تحولاً استراتيجياً حقيقياً يستحق الرهان عليه.

إلى ذلك الحين، يبقى لبنان في عين العاصفة، لا موضوعاً "ثانوياً" كما وصفه ترامب، بل أحد الملفات التي ستحدد نجاح التفاهمات الأميركية - الإيرانية نفسها أو فشلها.

مضيق هرمز هو المفتاح الآخر. جاي دي فانس تحدث عن حرية الملاحة بلا رسوم، لكن الرواية الإيرانية الرسمية والقاطعة تؤكد أن لا تخليَ عن النفوذ على المضيق ولا عن الطموح إلى التحكم بشروطه. الفارق كبير بين فتح الملاحة وبين التخلي عن السيطرة.

ترامب يستطيع أن يقول إن المضيق فُتح، لكنه لا يستطيع أن يقول إن إيران تخلت عن حقها المزعوم في الوصاية على هذا الشريان الحيوي. وهنا بالضبط تتحول "باكس أميركانا" إلى "باكس إيرانا": عندما تصبح الولايات المتحدة راضيةً بفتح الطريق، بينما تعتبر إيران أن الطريق نفسه أصبح جزءاً من نفوذها.

الدول الخليجية تدرك خطورة هذا التحول أكثر من غيرها. فهي لم تكن تريد حرباً طويلة، لكنها لم تطلب أن تنتهي الحرب بتكريس إيران شرطياً على المنطقة. وهي تجد نفسها مرة أخرى مطالبة بدفع أثمان سياساتٍ أميركية متقلبة: أموال للتعويضات، ومساهمات في صناديق الاستقرار، وضمانات لتهدئة الانتقام الإيراني، في وقتٍ تشعر فيه أن الحرس الثوري قد خرج من الأزمة بأموال الآخرين وبنفوذ أكبر. هذا ليس استقراراً إقليمياً، بل ابتزاز منظم إذا لم يُربط بتغييرٍ حقيقي في السلوك الإيراني.

الأخطر أن ملفات الصواريخ والمسيّرات والأذرع والوكلاء تبدو في الرواية الإيرانية خارج جوهر التفاهم. وهذا كان الخطأ القاتل في الاتفاقات السابقة مع إيران، وهو مرشح للتكرار اليوم بصيغةٍ أكثر تكلفة. فالنووي وحده ليس المشكلة. المشكلة هي العقيدة التي تستخدم النووي والصواريخ والوكلاء والمضائق والأموال أوراقاً في مشروع واحد. لذلك يصبح الحديث عن منع السلاح النووي ناقصاً إذا تزامن مع شرعنة نفوذ الحرس الثوري في لبنان وهرمز واليمن والعراق.

ترامب سيواجه هذه الأسئلة على الصعيد العالمي كما في الداخل الأميركي. لماذا بدأ الحرب؟ لماذا تراجع؟ لماذا رُفع الحصار قبل المقابل؟ لماذا استُبعدت مسألة الأذرع عن النقاش؟ لماذا تُرك لبنان في جحيم المعركة الايرانية- الاسرائيلية؟ لماذا باتت واشنطن تراهن على نظام لا تثق به مؤسساتها الأمنية والعسكرية؟ ولماذا كل هذا التعتيم والعتمة؟

هذه الأسئلة لن تأتي من الديموقراطيين فحسب، بل من جمهوريين شعروا أن الرئيس انتقل من خطاب الإصرار على الاستسلام الإيراني إلى قبول صفقةٍ تمنح طهران السيطرة على ممر الملاحة الدولية، والمكانة الاستراتيجية، والأموال. وإذا فشلت الستون يوماً، فلن تكون طهران وحدها أمام المساءلة، بل ترامب نفسه سيواجه مصيراً ليس في حساباته الآن.

الحرس الثوري يتصرف اليوم على أساس أنه كسب المرحلة الأولى من دون أن يعلن النصر. بقي النظام، فُك الحصار، تحولت الأموال إلى أولوية أميركية، ودخل لبنان وهرمز في بازار التفاهمات. أما الولايات المتحدة، فهي لم تخرج من الحرب باستراتيجية، بل بمذكرة تفاهم قابلة للاضمحلال. وهذا هو الفارق بين صفقة تنهي حرباً وصفقة تؤجل المأزق.

من "باكس أميركانا" إلى "باكس إيرانا" ليست عبارة بل مسار. بدأ المسار عندما خاض ترامب حرباً باسم استعادة الهيبة الأميركية، ثم قبِل تفاهماً يمنح الحرس الثوري فرصة تثبيت عقيدة الجمهورية الإسلامية الايرانية وصوغ دورها الإقليمي بتعجرفٍ وثأرٍ وانتقام.

وما لم تستعد واشنطن أدوات الضغط، وتربط الأموال والحصار وهرمز ولبنان والأذرع بسلةٍ واحدة، فإن المذكرة لن تكون مخرجاً من الحرب، بل طريق إلى مأزقٍ أطول، يدفع ثمنه ترامب في الداخل، وتدفعه المنطقة من أمنها وسيادتها واستقرارها.