هل كان محمد مصدّق زعيما وطنياً أو محباً للسلطة؟

كتاب النهار 19-06-2026 | 17:49

هل كان محمد مصدّق زعيما وطنياً أو محباً للسلطة؟

هذه الرواية كلها عن حقبة مصدّق منذ بدايتها حتى نهايتها نشرتها جريدة "نيويورك تايمز" في 12 آب 1952 وكتبها "ألبيون روس". ماذا جاء فيها؟
هل كان محمد مصدّق زعيما وطنياً أو محباً للسلطة؟
طهران (أ ف ب)
Smaller Bigger

في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ إيران بعد قيام الجمهورية الإسلامية فيها أواخر سبعينيات القرن الماضي، قد يكون مفيداً إعطاء اللبنانيين وغيرهم فكرة عن المرحلة التي نجح محمد مصدّق في تولي السلطة خلالها بعد إجباره ومؤيّديه شاه إيران على الفرار من بلاده. كما قد يكون مفيداً إطلاع الرأي العام اللبناني وربما غيره على دور مصدّق في إيران الذي اعتبره كثيرون من زمان، ولا سيما أصحاب الفكر اليساري والإسلامي، وطنياً صلباً أمّم نفط بلاده الذي كانت تستغله بريطانيا قبل أن تغيب عن أمبراطوريتها الشمس.

 

في هذا المجال يقول باحث آسيوي غير عربي إن الرواية الشيوعية عن مصدّق تضمنت حجب حقائق كثيرة وعدداً من الأكاذيب الذكية. فهي تمسّكت دائماً بأن مصدّق امتلك شعبيةً إيرانيةً ضخمة مؤيّدة له وأنه وصل إلى السلطة بطريقة ديموقراطية. لكن الحقيقة تشير إلى أنه فقد قسماً كبيراً من شعبيته بعد ستة أشهر من توليه السلطة. ما السبب؟ هنا أمر أو أمور امتنع يساريو إيران عن ذكرها يوماً. وهو أن تأميم النفط الإيراني كان فشلاً "مطنطناً". فإنتاج النفط تراجع بنسبة 96 في المئة، من 660 ألف برميل يومياً إلى 27 ألفاً. وخلال أشهر لم تعد تمتلك إيران المهارات التقنية لتشغيل حقول النفط ومصافيه ولتصديره.

 

في الرواية الشعبية المتداولة أن مصدّق كان قائداً ديموقراطياً في حين كان شاه إيران محمد رضا بهلوي ديكتاتوراً عنيفاً وقاسياً. عام 1953 فرّ الشاه من البلاد لأنه كان يخشى اغتيال مصدّق له. ألم يكن مصدّق ديكتاتوراً؟ بلى، لأنه وأصدقاؤه في المجموعات الراديكالية الإسلامية والشيوعية قتلوا أو حاولوا قتل عدد من سياسيي إيران ومنهم الشاه نفسه. ولقد نجا من محاولة اغتيال عام 1949 وكانت معدّة ومموّلة من الاتحاد السوفياتي.

 

تفيد الحقيقة أن مصدّق أصبح رئيس حكومة فقط لأن أصدقاءه "الإرهابيين" قتلوا رئيس الوزراء السابق عام 1951. وبعد سنة أعطى نفسه صلاحيات ديكتاتورية إثر تلاعبه بالانتخابات النيابية. وهو استخدم رعاع الجماهير للحصول على مبتغاه بدلاً من أن يطبّق الدستور الإيراني.

 

هذه الرواية كلها عن حقبة مصدّق منذ بدايتها حتى نهايتها نشرتها جريدة "نيويورك تايمز" في 12 آب 1952 وكتبها "ألبيون روس". ماذا جاء فيها؟ 

 

 

طهران. (أ ف ب)
طهران. (أ ف ب)

 

 

هناك تجاهل تامّ لدور المجموعات الإسلامية الإرهابية وللشيوعيين الإيرانيين في أثناء الحديث عن وصول مصدّق إلى السلطة وممارسته لها. فحزب "توده" الشيوعي كان ممولاً من الاتحاد السوفياتي. وكانت مجموعته اخترقت الشارع الإيراني منذ عام 1952. دعم السوفيات الشيوعيين الذين كانت لديهم خطط لإزاحة مصدّق بعد الانقلاب على الشاه. كان ذلك عام 1953. 

 

ماذا عن التدخل الأميركي في إيران في حينه؟ لم يُذكر يوماً أن الولايات المتحدة حاولت بقوة التوسط بين إيران وبريطانيا. فهي أرسلت مفاوضين إلى إيران. وحتى مصدّق نفسه زارها والتقى رئيسها ترومان أواخر 1951. في النهاية ساعدت الـ"سي. آي. إي" في إسقاط مصدّق عام 1953 بواسطة جيش إيران. وشارك حفيد الرئيس روزفلت في التمهيد للانقلاب رغم تضخيم دوره فيه. 

 

من هو مصدّق؟ كان عضواً من سلالة "كاجار" التي حكمت البلاد 136 عاماً وحلّت مكانها أسرة بهلوي عام 1925. لذا لم يكن شاه إيران يثق بأي دور قيادي له في السلطة. كان لا شيء طوال حياته لكنه قرّر القفز على قطار تأميم النفط. في 1949 أسّس حزب "الجبهة الوطنية" وكان تحالفاً من الإسلاميين والشيوعيين. حصل ذلك بعد محاولة الشيوعيين قتل الشاه في تلك السنة. وفي الانتخابات النيابية عام 1950 حصلت "الجبهة الوطنية"- وهي حزب مصدّق- على 8 مقاعد من 136. وقد مثّل مقاطعة طهران بحصوله على 30 ألف صوت. الجدير ذكره أنه وحزبه لم يكونا شعبيين. وعندما اجتمع المجلس عام 1950 كان على رازمارا رئيس الحكومة المقتنع بعدم امتلاك الإيرانيين في تلك المرحلة المهارة لـ"تأميم" النفط أو إدارته. لذا عارض تأميماً تاماً له وأوصى بصفقة أفضل مع البريطانيين الذين كانوا يديرون القطاع، وكان إنتاج النفط في حينه 640 ألف برميل يومياً.

 

كيف أصبح مصدّق رئيساً للوزراء؟ بقتل رئيس الحكومة رازامارا. ومجموعة فدائيي الإسلام التابعة لإسلاميين حلفاء لمصدّق قتلته عام 1951. بعد عشرة أيام من قتله أمّمت إيران النفط. لم يكن مصدّق بعد رئيساً للوزراء، لكنه أخذ رصيد هذا الإنجاز كله. وبعد نحو 45 يوماً من الانتخابات قتل رازمارا وحل مكانه رئيساً للحكومة. 

 

بعد هذه الجريمة وصف حزب مصدّق القتلة بالأبطال. كان اسم القاتل خليل طهماسيدي وكان عضواً في "جمعية فدائيي الإسلام" المتهمة بالإرهاب. وكان مصدّق حليفاً لآية الله كاشاني صاحب النفوذ في البلاد، وقد وقف مع القاتل أمام مصورين وصحافيين في حينه. 

 

بالعودة إلى تأميم النفط، يمكن القول إن الاستعمار سيئ لكن قطاع الطاقة الإيراني أسّسه البريطانيون الذين خصّصوا له رأسمالاً منهم ونفّذوا كل ما يجب لجعل هذا القطاع منتجاً. وبدلاً من تفاهم مصدّق مع بريطانيا مثلما فعلت السعودية وفنزويلا والعراق، أمّم النفط كله مئةً في المئة ومعه مصافيه. وعام 1951 ومطلع 1952 أصيب إنتاج النفط بالركود وصار مصدّق غير شعبي ولم يحصل على الغالبية في الانتخابات النيابية عام 1958 إذ حصل على 30 مقعد من 136.

 

فاختاره مؤيّدو الشاه أحمد كافان رئيساً للحكومة. أنزل مصدّق مؤيّديه إلى الشارع وأجبر الشاه على اختيار أحد رجاله رئيساً للحكومة. ألحّ مصدّق على الحصول على صلاحيات استثنائية وديكتاتورية من مجلس النواب ونالها لستة أشهر. لكن التحسن لم يطرأ خلالها. وفي تموز 1953 حاول مجلس النواب التخلص من مصدّق بتصويت على الثقة. رد مصدّق بحيل غير دستورية "إرادة الشعب فوق القانون"، وأجرى استفتاءً لحل مجلس النواب، وحصل بواسطة التزوير على تأييد له هو 99,93 في المئة، أي أكثر من ستالين وهتلر. حاول الشاه طرد مصدّق فأوقف الأخير الجنرال الذي جاء يبلغه قرار الطرد وهدّده بتوقيف الشاه، ففر إلى الخارج في 16 آب 1953. 

 

بعد ذلك أزاح الجيش الإيراني والـ"سي. آي. إي" مصدّق من السلطة بانقلاب مضاد. أُدخل السجن ثم أُعيد إلى منزله سجيناً فيه لا يستطيع الخروج.

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 6/18/2026 6:10:00 AM
يعتبر "الجنرال" أن إخفاء هويّته يحرّره تماماً من الضغوط الاجتماعية والروابط العشائرية والمجاملات السياسية.
شمال إفريقيا 6/16/2026 11:26:00 PM
لغز "الأتوبيس الأسود" في القاهرة ينتهي.. والداخلية تكشف التفاصيل
لبنان 6/18/2026 5:05:00 PM
اعتمد "حزب الله" على مسيّرات متفجّرة تعمل بالألياف الضوئية في مهاجمة قوات ومواقع إسرائيلية، وقال مسؤولون فيه إنها تُصنّع في لبنان.
لبنان 6/18/2026 8:05:00 PM

الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان