بيروت، دمشق وحلب في عقائد أمن تركيا

كتاب النهار 18-06-2026 | 05:00
بيروت، دمشق وحلب في عقائد أمن تركيا

يدشن أردوغان عقيدة أمنية تعلن تجاوز الحدود الجغرافية إلى مناطق النفوذ التاريخي (العثماني)، وتحدد إسرائيل كتهديد مركزي. لا يعني ذلك أن في الأمر صداماً مقبلاً، بل تحذير بلهجة الإنذار...

بيروت، دمشق وحلب في عقائد أمن تركيا
إردوغان (يمين) يصافح الشرع خلال مؤتمر صحفي مشترك عقب لقائهما في القصر الرئاسي بأنقرة، 4 فبراير 2025. (أ ف ب / أرشيف)
Smaller Bigger

رسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خريطة أمنية جديدة لتركيا. أبلغ من يهمه الأمر أن "أمن تركيا لا يبدأ من هاتاي فحسب، بل يبدأ من حلب، ويبدأ من دمشق، ويبدأ من بيروت. دمشق وبيروت مدينتان شقيقتان لإسطنبول، لن نسمح بفرض أمر واقع في بلداننا الشقيقة، ولن نتغاضى عن أي هجمات تستهدفهم”.

تعود الجذور الفكرية إلى كتاب أحمد داود أوغلو "العمق الاستراتيجي" (2001)، الذي يرى تركيا وريثة الحضارة العثمانية ولها نفوذ طبيعي في مناطق "العمق". لكن داود أوغلو كان يتحدث عن صفر مشاكل مع الجيران. أما أردوغان فيتحدث هذه الأيام بلغة صلبة تحدد العدو بالإسم وتؤطر التوسع كضرورة دفاعية.

وسّع أردوغان مفهوم الأمن القومي التركي خارج الحدود الجغرافية، وحدّد إسرائيل بوصفها المهدّد الرئيسي لهذا الأمن. وصف الهجمات الإسرائيلية بأنها "تهدد البشرية جمعاء" ويجب وقفها فوراً.

تأتي التصريحات في سياق إقليمي متوتر:

1-تحوّلات ما بعد سقوط نظام الأسد في سوريا.

2-تراجع قوة إيران بعد الحرب الأخيرة.

3-مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية التي تعيد رسم التوازنات.

تسبق التصريحات قمة الناتو في أنقرة (7-8 الشهر المقبل) بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب. يدخل أردوغان القمة وهو يحمل أعلى سقف تفاوضي ممكن. لسان حاله يقول إن أي ترتيبات سورية-لبنانية لن تكون مستدامة إلا إذا أخذت المصالح التركية في الحسبان.

تشكل سوريا قلب هذه العقيدة. في أعراف أردوغان وعقائده أن الوحدة السورية خط أحمر. والتحدي الثابت هو الملف الكردي. تنظر أنقرة بقلق شديد إلى أي تحريك للورقة الانفصالية، خاصة إذا ارتبط ذلك بتنسيق إسرائيلي. في المقابل، تسعى إسرائيل لإقامة منطقة عازلة في الجنوب. هكذا تتشكل معادلة نفوذ يصعب التوفيق بين طرفيها. هذا يعني أن توسع النفوذ لأحدهما مرادف لتقلصه للطرف الآخر.

يجد أردوغان نفسه داخل معادلة ملتبسة. تركيا حليف للولايات المتحدة داخل الناتو. والولايات المتحدة حليف تاريخي لإسرائيل. ومع ذلك بإمكان أردوغان التعويل على صداقة شخصية تجمعه بترامب. سُئل الأخير عن تصريحات أردوغان التصعيدية فقال إنه "الصديق الجيد والقائد القوي". في المقابل، ردّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تلك التصريحات بعنف، واصفاً أردوغان بـ"الديكتاتور المعادي للسامية" الذي يدعم "حماس" ويقمع الأكراد. فإذا ما كانت تركيا تعتبر إسرائيل عدواً، فإسرائيل التي انتشت بسقوط محتمل لإيران تمنّي النفس بأن تكون تركيا الهدف التالي، أو هكذا يخيّل للمتخيلين.