هذا لبنان: صيف يتحدّى الحرب وسياحة عابرة للطوائف والمناطق
صدق القول إن لبنان يحب الحياة. بلد أدمن الفرح واللهو والسهر، كما أدمن الاقتتال والحروب والنزاعات. والإدمان حالة مرضية، إذ يبالغ الناس في اللهو والصرف والتشبيح، كما في التضارب والتحارب والقتل.
يختلف أبناؤه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنهم يتصالحون وجهاً لوجه، ربما خجلاً، أو خوفاً، لا فرق. المهم أنهم يلتقون، في السهر، وفي المطعم، وعلى شاطئ البحر، وكذلك في تركيا وقبرص واليونان، وفي أوروبا. خلافاتهم غالباً ما يمحوها الليل، أيّ ليل في أماكن السهر والسياحة.
البلد، رغم كل ما يلمّ به، مقبل على صيف مقبول إلى جيد، وفق ما يبدو حتى تاريخه من المشاريع والحجوزات. لا يهمني كلام "النقّ" الصادر عن بعض أصحاب المقاهي والمطاعم والمنتجعات. ربما اعتاد بعضهم الشكوى، وربما يخاف بعضهم الآخر "صيبة العين". ولا تخلو شكاوى من بعض حقيقة، إذ إن الانتعاش لا يصيب المناطق كلها، لأن مناطق، دون غيرها أحياناً، صارت "ترند" ويتهافت اللبنانيون عليها.
في فقرا مثلا، موسم واعد، لا فوارق مناطقية أو دينية، إنما طبقية. أهالي بيروت السنّة استوطنوا القمة فوق، والشيعة المتمولون يجاورون المسيحيين في الشاليه والبيسين والمطعم. يمضون السهرات معاً. هنا لا فوارق. يتركون الصراعات لأبناء الفقراء، يتقاتلون ويُقتلون.
صحيح أن المناطق ذات الأكثرية المسيحية تعبق بالسياحة والحياة، فيما تشتم روائح الموت في أماكن أخرى حالياً. لكن الوضع ليس كذلك على الدوام، والحركة لا تقتصر على المسيحيين من تلك المناطق، خصوصاً بعدما استقبلت نازحين من ذوي القدرات المالية المتوسطة والكبيرة. هؤلاء يقيمون في شقق وفنادق وشاليهات، وكذلك في فيلّات وقصور.
في إهدن، الفنادق تمتلئ صيفاً. أهالي زغرتا يقصدون منازلهم الصيفية، وأهالي بشرّي يقيمون في بلدتهم. الذين يقصدون إهدن هم السياح، لكن أهالي العاصمة الثانية للبنان، طرابلس الفيحاء، يحجزون غرفهم لمدة طويلة، وبعضهم في شكل دائم. لا يشعرون بأن المنطقة غريبة عنهم.
في مار مخايل (بيروت)، يملك صديقي مطعماً ليلياً يقصده الشابات والشبان من كل لون وجنس ودين ومذهب. سألته قبل أسابيع عن تداعيات الحرب عليه، خصوصاً أن "زبائنه" من كل الطوائف، وأن الضاحية تتعرض لاعتداءات، والطائفة الشيعية باتت منكوبة. فتح هاتفه ومضى إلى صفحة حجوزات "الويك-أند"، ليقول لي "انظر كم مرة ورد اسم علي في اللائحة". وأضاف: "لم يعد عدد الساهرين هو نفسه. تراجع في أيام الأسبوع تحديدا، ويتأثر بالأجواء عندما تتوتر. لكن الفارق الظاهر لدينا يتمثل في الصور والسيلفي، والـ"تاغ" عبر صفحات التواصل الاجتماعي. بات الساهرون يهربون من عدسات التصوير. هم يخجلون أمام ذويهم وأبناء قراهم من نشر صور السهرات، فيما ينشر أقرباؤهم صور الشهداء".
ليس الهدف من هذا المقال ترويجياً لموسم الصيف، ولا تقريباً بين أبناء المذاهب، ولا تحريضاً على أحد، إنما هو قراءة في الوقائع التي تؤكد أن لبنان واللبنانيين إنما يحبون الحياة فعلاً، وما الموت الذي يعبق في أجوائهم إلا نمط حياة مستورد، أو مفروض عليهم، يواجهونه بالهروب منه إلى مزيد من السياحة والسهر والفرح.
قبل أيام، اتصلت صديقة بأحد فنادق البترون طالبة حجز غرفة في النصف الثاني من تموز، وإذ طُلب منها دفع جزء من المبلغ لتأكيد الحجز، وتأخرت، فاتصلت مجدداً في الأسبوع التالي لتكتشف أن إيجار الغرفة قد ارتفع من 250 دولاراً إلى 350 دولاراً لليلة الواحدة. ووقعت في صدمة وحيرة، عندما أتاها الجواب بأن الاسعار تتبدل مع دخول موسم الصيف وازدياد الطلب.
صيف لبنان يتحدى الحرب، وينتقم منها ومن سوادها، والسياحة المستمرة بإرادة اللبنانيين المقيمين، قبل المنتشرين، وقبل السياح القليلي العدد، تتخطى حواجز المناطق والأحزاب والمذاهب والسياسات القاتلة غالباً.
نبض