التقدّم الملموس في نزع سلاح "حزب الله" يفتح باب مساعدات أميركا للبنان
جرت المحادثات الإسرائيلية اللبنانية في واشنطن برعاية أميركية وبغياب أحد الأطراف الرئيسيين في النزاع. "حزب الله" غاب عن الطاولة إلا أنه لا يزال يمارس ضغطاً مستمراً للتأثير على مسار التفاوض وتقييد هامش تحرّك الوفد اللبناني عبر التهديدات العلنية والتحرّكات الميدانية. تُدار المفاوضات حالياً عبر مسارين متوازيين.
مسار عسكري يقوده "البنتاغون" ومسار ديبلوماسي تشرف عليه وزارة الخارجية. يتمثل التحدّي الرئيسي في وضع آلية واضحة لتنفيذ أي اتفاق محتمل وتحديد التسلسل الزمني لمراحله بين المسارين. فبينما يطالب لبنان بإنهاء الوجود أو الاحتلال الإسرائيلي لقسم من أرضه تركّز إسرائيل على تفكيك بنية وكيل "الحرس الثوري الإيراني" على حدودها الشمالية أي "حزب الله"، في المقابل تسعى طهران عبر مفاوضاتها المنفصلة مع واشنطن الى ربط الملف اللبناني مباشرةً بأية تسوية شاملة تُنهي المواجهة وتضمن إعادة فتح مضيق هرمز الأمر الذي يزيد من تعقيد المسار الإسرائيلي – اللبناني.
حتى الآن أبدت واشنطن في رأي باحث أميركي بارز هو ديفيد شينكر معارضة شديدة لهذا الربط. وقد سعى مسؤولون أميركيون في المراحل الأولى من المحادثات مع إيران الى تهيئة الأجواء الديبلوماسية عبر مطالبة إسرائيل بخفض وتيرة عملياتها في لبنان، وتجنّب شن هجمات إضافية على بيروت والضاحية الجنوبية. غير أن وزير الخارجية ماركو روبيو أكد علناً حق إسرائيل ليس فقط في الرد على هجمات "حزب الله" الصاروخية، بل أيضاً في إتخاذ إجراءات استباقية لمنعها، الأمر الذي يمنح الجيش الإسرائيلي هامش تحرّك عملياتي أوسع.
بالنسبة إلى الحكومة اللبنانية يشكّل التدخل الإيراني في المفاوضات سيفاً ذا حدين؛ فمن جهة تسعى بيروت الى استعادة سيادتها والتحرّر من الهيمنة الإيرانية التي طغت على المشهد السياسي لعقود. ومن جهة أخرى تضع إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي على رأس أولوياتها. لذا فإن أي ضغط إيراني يصب في هذا الاتجاه لن يعارضه الرئيس جوزف عون.
تحمل العمليات الإسرائيلية المستمرة في لبنان أثراً مزدوجاً. فهي تُضعف "حزب الله" من ناحية، لكنها تقوّض من ناحية أخرى قدرة الحكومة على تمرير قرارات غير شعبية. إذ يصعب إقناع الرأي العام بفاعلية الدولة في بسط سيادتها بينما تستمر الغارات عبر الحدود. ورغم غياب أي عائق عسكري يمنع الجيش اللبناني من التحرّك ضد "الحزب" بالتوازي مع الضغط الإسرائيلي، فإن استمرار العمليات الإسرائيلية عبر الحدود يفاقم شعور بيروت بعدم الاستقرار، ويُضعف ثقتها في قدرتها على فرض سلطتها. لكن الحقيقة هي أن بيروت لا يمكنها تحقيق هدفها المتمثل في إرساء سيادتها ما لم تدفع القوات المسلحة اللبنانية إلى اتخاذ إجراءات ضد "حزب الله".
وقد اتخذت القوات المسلحة اللبنانية في السابق خطوات محدودة لنزع سلاح الجماعة في الجنوب، إلا أن هذه الخطوات بقيت في معظمها ذات طابع متحفظ، ونُفّذت بموافقة فعلية من "حزب الله" بهدف تلبية الحد الأدنى من متطلبات آلية مراقبة وقف إطلاق النار التي تقودها الولايات المتحدة. لكن عندما تعلّق الأمر بإتخاذ إجراءات في الشمال، هدد "حزب الله" بإمكانية إندلاع حرب أهلية الأمر الذي دفع القوات المسلحة اللبنانية الى التراجع واللجوء الى خطاب "الإجماع الوطني" ومحاولة تجنّب أي مواجهة مباشرة مع الجماعة.
قد تُسهم العقوبات الأميركية الأخيرة المفروضة على مسؤولين لبنانيين، يضيف الباحث شينكر، في دفع هذا الملف الى الأمام. فمن خلال إستهداف عدد من النواب المرتبطين بـ"حزب الله" ومسؤولين مقرّبين من "أمل" التابعة لرئيس مجلس النواب نبيه بري، والأهم من ذلك من مسؤولين أمنيين بارزين وجهت واشنطن رسالة تحذير واضحة إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية التي واجهت على مدى سنوات إنتقادات بسبب تعاونها مع "حزب الله" أو إحجامها عن مواجهتها. وفقاً لهذا المنظور لا يمكن للقوات المسلحة اللبنانية أن تؤدي دور المؤسسة الوطنية الجامعة إذا استمرت في رعاية مصالح "حزب الله" أو العمل بما يتوافق معها. بل ينبغي أن يكون ولاؤها حصراً للدولة اللبنانية، أن تلتزم بتنفيذ قرارات الحكومة الشرعية المنتخبة.
من وجهة نظر الولايات المتحدة تتمثل الخطوة التالية في تحديد مسؤولين أمنيين آخرين يُشتبه في وجود ارتباط لهم بـ"حزب الله"، سواء من خلال فرض عقوبات عليهم أو تشجيع السلطات اللبنانية على إبعادهم بهدوء عن المناصب الحساسة. في المقابل قد يكون الإستمرار في تقديم الدعم المالي أو العسكري للقوات المسلحة اللبنانية من دون إجراء إصلاحات مؤسسية حقيقية أمراً غير مجدٍ. بل ربما يأتي بنتائج عكسية. لذلك تحتاج واشنطن إلى وضع معايير واضحة وتقديم حوافز ملموسة تُظهر المكاسب المحتملة للسلام. قد يشمل ذلك المساهمة في معالجة الأزمة المالية المُزمنة في لبنان، أو توفير استثمارات ومساعدات واسعة النطاق لإعادة الإعمار. لكن ذلك سيبقى مشروطاً بإحراز تقدّم ملموس في نزع سلاح "حزب الله" وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
نبض