.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في السنوات التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق عام 2003، نشأ تقاسم للنفوذ بين واشنطن وطهران في العراق، لكن هذا التعايش لم يعد يصلح على ما يبدو بعد حرب إيران الأخيرة.
كيف ينبغي النظر إلى قرار زعيم "التيار الوطني الشيعي" مقتدى الصدر بحل "سرايا السلام"، الجناح العسكري للتيار ودمجها اندماجاً كاملاً بالقوات المسلحة العراقية، وما تبعها من قرارات مماثلة لميليشيات كانت منضوية في ما يعرف بـ"الحشد الشعبي" الموالي لإيران؟
لا بد أولاً من التوقف عند الظروف السياسية والأمنية التي أحاطت بقرار الصدر. ليس بخاف، أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمارس ضغوطاً شديدة على الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي، من أجل حل الميليشيات الموالية لإيران والتي تشكلت ضمن "الحشد الشعبي" الذي تأسس للتصدي لتنظيم "داعش"، الذي اجتاح مساحات واسعة من العراق عام 2014.
هذه الضغوط، تتواكب مع المساعي الأميركية لحرمان إيران من نفوذها في العراق. ومعروف أن بعض فصائل "الحشد الشعبي" نفذت ضربات ضد أهداف أميركية، واستهدفت أيضاً بنى تحتية في دول خليجية، عقب الحرب الأميركية-الإسرائيلية التي تعرضت لها في 28 شباط/ فبراير الماضي.
ولذلك، حذرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الحكومة العراقية من تحمل تبعات عدم التحرك لحل الفصائل التي لا تزال على ولائها لإيران، ولوحت بحرمان بغداد من الحصول على عائدات النفط العراقي التي تمر بالبنك المركزي الأميركي.
وجاء في حيثيات قرار الصدر، أنه "انطلاقاً من المصلحة العامة للوطن، وتحاشياً للمخاطر المحدقة بالوطن، صار لزاماً علينا أن نعلن انفكاك سرايا السلام عن التيار الشيعي الوطني انفكاكاً تاماً والتحاقها التحاقاً تاماً بالدولة، والمسؤول العام عن التشكيلات العسكرية، على أن تتحول الجهات المدنية الملحقة بالسرايا إلى البنيان المرصوص، وبلا أي مقار أو سلاح أو زي أو عنوان أو أي شيء آخر".
ووضع بعض المراقبين هذه الخطوة في سياق مسعى واضح من الصدر، لتجنب التعرض لعقوبات أميركية، على غرار ما يحصل مع فصائل أخرى. بيد أن مراقبين آخرين يشيرون إلى أن الرجل أراد أن يحرج فصائل عراقية أخرى ضمن "الحشد الشعبي"، بدمج فصيله بالمؤسسة العسكرية. ليس هذا فحسب، وإنما يمهد الصدر للعودة إلى الساحة السياسية، التي انكفأ عنها بفعل الخلافات مع الأحزاب المنضوية في ما يسمى بـ"الإطار التنسيقي" الذي يمثل القوى المدعومة من إيران.
وتشكل الخطوة إحراجاً لإيران نفسها، التي ترعى فصائل ترفض الاندماج بالدولة وتفضل أن تبقى كياناً موازياً للمؤسسات الشرعية، وأداة تنفيذية في يد طهران، تستخدمها ساعة تشاء ضد المصالح الأميركية.
وقرار الصدر يتناغم مع قرارات مماثلة اتخذتها فصائل عراقية أخرى مثل "عصائب أهل الحق"، التي أعلنت فك ارتباطها بـ"الحشد الشعبي" والالتحاق بالدولة، بينما رفضت فصائل أخرى، مثل "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" و"أهل الكهف"، تسليم سلاحها قبل ما وصفته خروج القوات الأميركية من العراق بالكامل.
واكتسبت عملية حصر السلاح بيد الدولة، زخماً كبيراً مع إعلان قادة "الإطار التنسيقي" الشيعي، تفويضهم الزيدي المضي في هذه العملية.
ولا بد أن تكون لعملية حصر السلاح بيد الدولة العراقية، انعكاسات على ما يسمى "محور المقاومة" في الإقليم، ولا سيما لبنان، حيث يرفض "حزب الله" قرار الحكومة اللبنانية بحصرية السلاح في يد الدولة، ويبقي على ولائه لإيران، على رغم أن قرارات الحزب منذ 2023، كلفت لبنان ثمناً باهظاً بشرياً واقتصادياً.
ويرفض الحزب المفاوضات بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل للتوصل إلى وقف للنار، ويرى فيها تنازلاً مجانياً، ويصر على ربط مصير لبنان بالتطورات في إيران.
والسؤال الآن، هو عن التأثيرات التي يمكن أن تنتج عن قرار الصدر مع انطلاق ولاية الزيدي على رأس الحكومة الجديدة، وفي وقت تتوجه الأنظار إلى ما يمكن أن ينتج عن المفاوضات الأميركية-الإيرانية الجارية بوساطتين باكستانية وقطرية، لإيجاد حل ديبلوماسي للبرنامج النووي ومضيق هرمز والحصار البحري المفروض على الموانيء الجنوبية لإيران.
في السنوات التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق عام 2003، نشأ تقاسم للنفوذ بين واشنطن وطهران في العراق، لكن هذا التعايش لم يعد يصلح على ما يبدو بعد حرب إيران الأخيرة.