الشرق الأوسط القادم

كتاب النهار 31-05-2026 | 06:19
الشرق الأوسط القادم

قد يكون الوصف الأدق لما نشهده اليوم ليس اتفاق سلام، بل محاولة منظمة لتأجيل المواجهة الكبرى ريثما تتضح ملامح النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل تحت أنقاض الأزمة الحالية.

الشرق الأوسط القادم
امرأة تمر بجوار لافتة ضخمة مناهضة لأميركا وإسرائيل في طهران (أ ف ب)
Smaller Bigger

التسريبات المتداولة حول مسودة اتفاق أميركي–إيراني برعاية وتحرك باكستاني لا تبدو مستحيلة، لكنها أيضاً لا تبدو حتى الآن اتفاق سلام بالمعنى التقليدي للكلمة.

ما يجري أقرب إلى محاولة سياسية عاجلة لمنع انفجار إقليمي واسع قد تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط إلى الاقتصاد العالمي كله.

في ظاهرها تبدو البنود المطروحة منطقية ومقبولة: وقف شامل لإطلاق النار، ضمان حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وقف الحملات الإعلامية المتبادلة، إطلاق مفاوضات خلال أيام، ورفع تدريجي لبعض العقوبات td مقابل التزامات إيرانية محددة. لكن جوهر الأزمة لا يكمن في البنود المعلنة فحسب، بل في الملفات التي لاتزال مؤجلة أو غير محسومة.

فالأسئلة الحقيقية لا تزال قائمة: ماذا سيكون مصير البرنامج النووي الإيراني؟ وما حدود التخصيب المقبولة؟ وماذا عن الصواريخ الباليستية ودور أذرع إيران الإقليمية؟ وما هي الضمانات الأمنية المطلوبة لإسرائيل ولدول الخليج؟ هذه الملفات هي التي فجّرت الأزمة أصلًا، وهي نفسها التي أرجئت إلى مرحلةٍ تفاوضية لاحقة. ولهذا يبدو الاتفاق المحتمل أقرب إلى هدنة استراتيجية منه إلى تسوية نهائية. إنه يجمّد التوتر لكنه لا يزيل أسبابه.

لكن ثمة بُعداً آخر لا يقل أهمية عن ملف وقف النار نفسه. فالمعلومات المتداولة حول اتصالات ترامب بقادة المنطقة تشير إلى أن النقاش لم يقتصر على تفاصيل الاتفاق المحتمل مع إيران فحسب، بل شمل أيضاً رؤيته الأوسع لترتيبات ما بعد الأزمة. وهنا يعود ملف الاتفاقيات الإبراهيمية إلى الواجهة من جديد.

فالإدارة الأميركية تبدو كأنها تحاول استثمار لحظة التهدئة المحتملة لإطلاق مسار إقليمي أوسع يعيد رسم شبكة العلاقات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط. ولم يعد المقصود بالاتفاقيات الإبراهيمية مجرد التطبيع بين إسرائيل ودول لا تقيم علاقات معها، بل التحول نحو إطار إقليمي للتعاون الأمني والاقتصادي يضم حتى دولاً لديها بالفعل اتفاقيات سلام أو علاقات قائمة مع إسرائيل. بمعنى آخر، لم يعد السؤال من يعترف بإسرائيل ومن لا يعترف بها، بل من ينضم إلى منظومةٍ إقليمية جديدة تقودها واشنطن وتعتبر إسرائيل أحد أعمدتها الرئيسية.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم جزء من الحراك الأميركي الحالي. فواشنطن لا تسعى فقط إلى وقف الحرب مع إيران، بل إلى تحويل نتائجها السياسية إلى واقع إقليمي جديد. فإعادة فتح هرمز، وتأمين الملاحة، واحتواء البرنامج النووي الإيراني، كلها أهداف مهمة، لكنها قد تكون بالنسبة لإدارة ترامب جزءاً من مشروع أكبر يقوم على بناء تحالفات إقليمية أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية المقبلة. ولهذا، فإن بعض العواصم العربية ينظر بحذر إلى أي تفاهم أميركي–إيراني، ليس بسبب بنوده المباشرة وحسب، بل بسبب ما قد يترتب عليه من ضغوط سياسية لإعادة ترتيب التحالفات والاصطفافات في المنطقة.