العراق واستعادة القرار
الأمر يتجاوز حادثة براكة أو أي هجوم منفرد. ما جرى يطرح سؤالاً أوسع عن مستقبل العراق العربي. هل يبقى العراق ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، أم يستعيد موقعه الطبيعي كدولة وطنية مسؤولة في محيطها؟
استهداف محطة براكة للطاقة النووية السلمية بطائرات مسيّرة من جهة الأراضي العراقية وضع المنطقة أمام تطور أمني بالغ الحساسية.
كان مؤشراً خطيراً إلى انتقال الميليشيات التابعة لإيران في العراق من كونها أزمة داخلية إلى تهديد إقليمي مباشر يطال أمن الخليج ومنشآته المدنية والحيوية. وحين تصل المسيرات إلى مشروع مدني بهذا الحجم، فإن المسألة تصبح أكبر من هجوم عسكري محدود؛ إنها تكشف خللاً أعمق في موقع الدولة العراقية وقدرتها على ضبط قرار السلاح داخل حدودها.
أين الإشكالية؟
الموقف الإماراتي الرسمي كان واضحاً في إدانة الاعتداءات المنطلقة من الأراضي العراقية، وفي دعوة الحكومة العراقية إلى منع استخدام أراضيها لاستهداف جيرانها. المشكلة ليست في العراق وشعبه، وإنما في الميليشيات المرتبطة بإيران. فالعراق العربي جزء من استقرار الخليج، والشعب العراقي يدفع قبل غيره كلفة تحويل بلاده إلى منصة صراع. أصل الأزمة في السلاح الذي يتحرك خارج الدولة، وفي الولاء الذي يتجاوز بغداد، وفي الجماعات التي تربط مستقبل العراق بحسابات طهران لا بمصلحة العراقيين.
دفعت إيران، على مدى سنوات، باتجاه بناء نفوذ عميق داخل العراق عبر فصائل مسلّحة تملك المال والسلاح والغطاء السياسي. ومع الوقت، لم تعد هذه الفصائل مجرد جماعات تقف على هامش الدولة، فقد أصبحت جزءاً من معادلة السلطة والتأثير، وتملك القدرة على الضغط والتعطيل وخلط القرار الوطني العراقي بحسابات إقليمية أوسع. هذه هي خطورة الحالة العراقية. فالدولة موجودة، والمؤسسات قائمة، لكن قرار الحرب والسلم لا يبدو دائماً محصوراً في يد الحكومة.
تتعامل طهران مع هذه الفصائل بوصفها أداة ضغط خارج حدودها. فهي تمنح إيران قدرة على إرسال الرسائل ورفع كلفة المواجهة، مع ترك بغداد تتحمل العبء السياسي أمام جيرانها. وعندما تستخدم الأرض العراقية في استهداف الخليج، يصبح العراق نفسه في موضع حرج، لأن الدولة التي تريد علاقات طبيعية مع محيطها لا تستطيع أن تسمح بتحويل أراضيها إلى واجهة لصراع لا يخدم أمنها واستقرارها.
دائرة الشك والقلق
وهذا الوضع يضرّ بالعراق قبل أن يضرّ بجيرانه. فكلّما توسع نفوذ الميليشيات، تراجعت قدرة بغداد على بناء الثقة مع محيطها العربي والخليجي، وضعفت فرص الاستثمار والتنمية، ودخل العراق في دائرة الشك والقلق.
لا يمكن لدولة تريد الاستقرار أن تقبل بوجود سلاح يقرر خارج مؤسساتها، ولا يمكن لجوارها أن يتعامل مع التطمينات وحدها إذا كانت أراضيها تُستخدم في إرسال المسيرات وتهديد المنشآت المدنية.
لذلك تجد حكومة علي الزيدي نفسها مطالبة بالانتقال من الموقف المعلن إلى الفعل. فبيانات الإدانة والتعهد بالمحاسبة خطوة مطلوبة، لكنها لا تكفي وحدها. المطلوب أن تتحول الوعود إلى إجراءات واضحة تمنع استخدام العراق منطلقاً لأي عمل عدائي ضد دول الخليج. فالعراق لا يحتاج إلى إدارة الأزمة إعلامياً، وإنما إلى استعادة سلطة الدولة على السلاح والحدود والقرار.
والأمر يتجاوز حادثة براكة أو أي هجوم منفرد. ما جرى يطرح سؤالاً أوسع عن مستقبل العراق العربي. هل يبقى العراق ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، أم يستعيد موقعه الطبيعي كدولة وطنية مسؤولة في محيطها؟ هذا السؤال لا يخصّ بغداد وحدها، لأنه يمسّ أمن الخليج واستقرار المنطقة ومسار العلاقة العربية مع العراق.
استعادة القرار العراقي ليست مطلباً خليجياً فقط، وإنما حاجة عراقية قبل كل شيء. فكلما اقتربت بغداد من محيطها العربي، ووضعت مصالح الدولة فوق حسابات الفصائل، ضاق هامش استخدام أراضيها في صراعات الآخرين. العراق الذي يستعيد قراره سيجد في الخليج شريكاً للاستقرار والتنمية، أما بقاء السلاح خارج الدولة فيترك أرضه عرضة لاستخدام الآخرين ضد جيرانه وضد مصالح أبنائه.
*كاتب إماراتي
نبض