إذا خرج ترامب من حرب إيران قبل إنجاز المهمة... هل ستتوجه دول الخليج الى إسرائيل؟
لا يزال على الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يتعلم دروساً من الأسابيع الكثيرة للحرب مع إيران. فهو يواجه معضلة كلاسيكية هي الآتية: إن بدء الحرب هو أمرٌ سهل جداً لكن إنهاءها في ظل غياب نصر ناجز وكامل سيكون صعباً للغاية. هذه المعضلة هي التي تتسبّب بتصريحاته المتناقضة. ففي الأيام الأخيرة قال إنه يفكر في "تهدئة" بسيطة للأعمال العسكرية في إيران، وطلب من الكونغرس تمويل الحرب بنحو 200 مليار دولار، ثم أعطى الأوامر بإرسال الآلاف من "المارينز" مع السفن الخاصة بهم الى الخليج وهدّد بقصف منشآت الطاقة ومصانعها في إيران.
تناقضات ترامب ورفعه العقوبات عن نحو 140 مليون برميل نفط إيراني موجودين في مخازنهم على ظهر سفن الشحن يقوي إيمان إيران بأن استراتيجيا التصعيد من أجل خفض التصعيد تعمل جيداً. وتهديد ترامب بقصف منشآت الطاقة في إيران إذا لم تفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة يوحي أنه لم يتعلم الدروس من الأسابيع الثلاثة الأخيرة للحرب مع إيران التي أظهرت فيها للولايات المتحدة أنها لم تُصب بالرعب جرّاء تفوّقها العسكري والتفوّق العسكري الإسرائيلي، وأنها تستطيع مواجهته وإن بكلفة عالية.
يُحتمل أن يتسبّب تهديد ترامب بتصعيد الحرب وتعميق "المستنقع" الحربي وليس بإنتاج خضوع إيراني لطلباته الذي يحتاج إليه من أجل إعلان النصر وإنهاء الحرب أو إرجائها. وقد "حبس" ترامب نفسه في زاوية ضيقة مع إحتمالات بسيطة لإيجاده طريقة أو طرقاً للخروج منها. السياسة التي ينتهجها لا تُظهر الورطة التي أوقع نفسه فيها فقط بل أظهرت أيضاً إحتمالات التدهور وأخطاره. ورداً على قصف المنشأة النووية الإيرانية في "نطنز" استهدفت إيران بالقصف مدينتي آراك وديمونا القريبتين من المنشأة الإسرائيلية النووية البالغة التحصين. تسبّب ذلك بجرح أكثر من 180 إسرائيليا وهو أعلى رقم إصابات يتسبّب به قصف إيراني منذ بدء الحرب. هناك اعتقاد راسخ بأن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية لكنها رفضت دائماً الإعتراف بقدرتها النووية، وفي المرحلة المذكورة اقترب الرئيس ترامب كثيراً من أن يكون الرئيس الأميركي الأول الذي يُثبت إمتلاك إسرائيل أسلحة نووية وخصوصاً بعدما لوّح أحد مستشاريه بأن إسرائيل قد تلجأ الى استعمالها دفاعاً عن النفس. وقد قال ترامب "أن إسرائيل لن تفعل ذلك". كان قصف "نطنز" الهجوم العسكري الأول المشترك بين أميركا وإسرائيل على منشأة نووية منذ نشوب الحرب في 28 شباط الماضي. وقد ألح ترامب مراراً على أن القاذفات الأميركية دمرت تماماً برنامج إيران النووي عندما هاجمت مع إسرائيل المنشآت الثلاث بما فيها "نطنز" خلال حرب الـ12 يوماً التي خاضاها على إيران في حزيران الماضي. وبعد أسبوع من بدء الحرب ردّت إيران على هجوم على منشأة تحلية مياه في جزيرة "قشم"، وهي واحدة من الجزر التي قد تستهدفها الولايات المتحدة للتخلص من سيطرة إيران على مضيق هرمز، أدت الى قصف منشأة مماثلة في البحرين. وإذا تمسّك ترامب بتهديداته فإن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تتسببا بأضرار كثيرة وألماً لدولة مساحتها مليون و600 ألف كيلومتر مربع وفيها أكثر من 500 منشأة طاقة.
حذّرت إيران من أنها قد ترد بقصف منشآت طاقة ومنشآت تحلية مياه في "الخليج العربي وبإغلاق مضيق هرمز الى أن تتم إعادة بناء أو إصلاح مؤسساتها المدمرة إذا تعرّضت لهجوم أميركي – إسرائيلي. والى الاستهداف المذكور أعلاه لمنشآت الطاقة في دول الخليج وكلها عربية تستطيع إيران الرد بتوسيع مجال المعركة بحيث تشمل الممرات المائية الإستراتيجية من مضيق هرمز على الجانب الشرقي الى باب المندب في غربها بمساعدة حوثيي اليمن. وباب المندب يصل البحر الأحمر ببحر العرب والمحيط الهندي. ونحو 12 في المئة من التجارة البحرية للنفط و20 في المئة من سفن نقل الحاويات تمر من باب المندب أو من خلاله. توسيع المعركة البحرية يُدخل الحوثيين الذين امتنعوا حتى الآن عن التدخل في حرب أميركا وإسرائيل على إيران، كما قد يدفع السعودية والإمارات الى إنتهاج موقف أكثر هجوميةً. لكن الدول العربية تلحّ على أنها ليست جزءاً من الصراع ولهذا بقيت دفاعية في مواقفها إذ اقتصر ردها على مواجهة إستهدافات إيران الصاروخية لها. ودخول الحوثيين وربما مع "حزب الله" لبنان الحليف غير الدولتي الأهم لإيران يُهدّد المرافئ السعودية على البحر الأحمر الذي لا تزال المملكة قادرة على استخراج النفط منه رغم الحرب. وإيران قد تجرها مع دول خليجية أخرى الى الحرب، وسيكون ذلك إذا حصل توسيعاً رئيسياً للمعارك في الحرب الدائرة، وضرباً لسياسة فصل عرب الخليج عن الولايات المتحدة التي تتبناها إيران وتحلم بها. وقد قامت السعودية وقطر بطرد الممثلين العسكريين الإيرانيين في سفارات إيران فيهما. الى ذلك منحت السعودية أميركا مدخلاً لقاعدة الملك فهد الجوية في منطقتها الغربية، ووسعت أذونات الانطلاق منها للطائرات الحربية الأميركية. علماً أن دول الخليج كانت أكدت أنها لن تسمح للجيش الأميركي بإستخدام قواعدها العسكرية في عمليات حربية ضد إيران.
وقد أظهر أحد الفيديوات صواريخ باليستية أميركية تُطلق من البحرين باتجاه إيران. في هذه الأثناء كان وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان يحذّر بأن تساهل أو بالأحرى تسامح الخليج مع الهجمات الصاروخية عليه صار محدوداً جداً. وأضاف أن لدى الخليج قدرات مهمة جداً قد تستعملها دوله في حال قررت خوض الحرب أو بالأحرى الإنضمام إليها. ومثله قال المستشار الإماراتي أنور قرقاش أن هجمات إيران تدفع دول الخليج الى التعاون بقوة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. كما حذّر أمين عام مجلس التعاون الخليجي هاشم البديوي بالقول أن هجمات إيران تدفع دول الخليج الى التعاون الوثيق مع إسرائيل والولايات المتحدة. تعكس المواقف الإماراتية – السعودية المشار إليها الخوف من إنهاء ترامب حربه تاركاً وراءه دولاً ضعيفةً وغاضبة. وسيجعلها ذلك غاضبة وراغبة في الإنتقام. وسيكون ذلك تهديداً أكبر من الذي واجهته منطقة الخليج العربي في السابق.
والإنخراط الأوسع لدول مجلس التعاون الخليجي في الحرب لا بد أن يُصعّب خروج ترامب من الحرب من دون نصر واضح وحاسم. فالخروج منها في الموعد غير المناسب من شأنه دفع الدول الخليجية في إتجاه إسرائيل والى لوم ترامب مثل لومها لإيران. علماً أنها لم تشجعه على الحرب في البداية.
نبض