كرسيّ اعتراف: ليس من سبيل آخر!
في 23 أيّار، قبل مئة عام، وُلد الدستور اللبنانيّ. وقبل 26 عامًا، أقرّت الحكومة اللبنانيّة، بموجب المرسوم رقم 3066 الصادر في 26 أيّار 2000، الخامسَ والعشرين من أيّار من كلّ عام عيدًا للمقاومة والتحرير، إحياءً لذكرى انسحاب قوّات الاحتلال الإسرائيليّ من جنوب لبنان عام 2000. ثم أصدرت رئاسة الحكومة اللبنانيّة الحاليّة المذكّرة الرسميّة رقم 11/2026، القاضية بإقفال الإدارات والمؤسّسات والمدارس في اليوم نفسه، "تضامنًا مع عائلات الشهداء والجرحى والأسرى والنازحين وأهلنا في الجنوب والقرى الأماميّة، ودعمًا لصمودهم".
لم يبقَ من الدستور بتعديلاته المتلاحقة إلّا الحبر، ولم يبقَ من التحرير إلّا الاحتلال، والخراب، والنزوح، والتيه، والموت.
كلّ توصيفٍ آخر لِما يحدث في لبنان عاجزٌ عن إدراك ما تعانيه بلادٌ على الحافّة بين التاريخ والعدم، وتنخرط وأهلها انخراطًا مأسويًّا رهيبًا في تراجيديا التحلّل البطيء المتسارع، لكيانٍ يفقد ما تبقّى من مناعته الروحيّة والتاريخيّة، ويعيش تحت أنقاض نفسه، وهو مسحوقٌ كلُّه، ومشرّدٌ ومطعونٌ ومطحونٌ وممعوسٌ ومذعورٌ ومُهانٌ وفاقدٌ أيّ قدرةٍ على تخيّل المستقبل.
أُقاربُ هذا المشهد العموميّ، بمعزلٍ عن المواربة، والتلطّي وراء المجاملات، لأقول إنّ لبنان "محرَّرٌ" بأسره لا من العدوّ، بل من ذاته والعقل والوعي والتبصّر والكرامة والأمل والحبّ والعيش والأنسنة والأمان، وإنّ التذرّر ليس إسقاطًا خارجيًّا فحسب بل حالةٌ بنيويّةٌ عضويّةٌ، ويفجعني أنْ أرى هذا اللبنان وقد أصبح مستحقًّا موته. وها إنّي أعلن بدويٍّ يوازي دويّ الإقامة في الجحيم: هذا اللبنان بصيغته القائمة مستحقٌّ موته برصاصة رحمة. ولأفترضْ أنّ أحدًا يستنكر هذا التوصيف سائلًا لماذا، فلن أتردّد في تقديم كشفٍ عضويّ لما نحن فيه: فالدستور ليس دستورًا، والتحرير ليس تحريرًا، والدولة ليست دولةً، والمؤسّسات ليست مؤسّساتٍ، والإنسان ليس إنسانًا، وبيروت والمدن فقدت معناها، والناس، الذين منهم يعيشون والذين لا يعيشون، كلّهم موتى وقتلى بطريقةٍ ما، وليس أحدٌ منهم مواطنًا كريمًا، ومَن منهم على قيد الحياة، فأشبه بهاربٍ من ذاته، أو بناجٍ من نموذج الرابع من آب 2020 أو من هيروشيما وناكازاكي وتشيرنوبيل اللبنانيّة. أمّا النخب ففقدت دورها التاريخيّ.
وأمّا اللغة فتفسّخت. وأمّا الثقافة فمحضُ ضريحٍ يُزار من أجل الرثاء وتأجيج الحنين. وأمّا الحياة المشتركة فـ"شرموطة عذراء"!
الخراب هو المعنى الكينونيّ الوحيد. فهو مقيمٌ في الواقع، وفي الافتراض؛ في الأرواح، والنفوس، والأجساد، والعقول، والقلوب، والوجوه، والعلاقات، والبيوت، والشوارع، والأزقّة، والنوافذ، والحبّ، والذاكرة، والمقابر، وأيضًا في التراب، والسماء، والبحر، وفي حكمة الليل والنهار.
لقد سقطت الأوهام، ولا أستثني وهمًا: وهم الطائفة الكيان، وهم الطائفة المنقذة، وهم الزعيم، وهم السلاح، وهم توازن القوّة، وهم البطولة، وهم الحرّيّة، وهم الاستشهاد، وهم العدد، وهم السيادة، وهم التحرير، ووهم الخلاص القياميّ. بقي الدستور والدولة المنتَهَكان، وبقي الاحتلال. مَن لا يعترف بهذه الحقيقة، ففي مقدوره أنْ لا يعترف، ممعنًا في حفر الباطن العدميّ وصولًا إلى العدم. وليس أيٌّ منّا ببعيدٍ عن الارتقاء إلى هذا العدم. فقد سقط الجميع، وكلّ شيءٍ سقط، داخل الخراب نفسه. ولم يبقَ ممّا يُعتَدّ به لانتشال بلادٍ وأهلها من هذه المقبرة.
على تخوم هذه المقبرة اللبنانيّة الجماعيّة، يُسمَع نداءٌ لعصفورٍ قتيل: قد يبقى النسيم، الظلّ، الغيمة، شجرة السرو، اللغة، الحلم، وحشرجةٌ لكائنٍ شعريٍّ ضئيلٍ يملك القدرة الطفيفة على تسمية الخراب والتشهير به والدعوة إلى إطلاق رصاصة الرحمة عليه، بدل التعايش الأعمى معه.
فلنبدأ من كرسيّ الاعتراف هذا. من الصفر. ليس من سبيلٍ آخر.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .
نبض