.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
أسبابٌ كثيرة راهنة تجعل بعضنا لا يعود يتحمّل "فكرة" لبنان. فمن حقّ أيٍّ كان أنْ يقول لم أعد أريد عيش هذه الحياة المقتلة. لكنّي، بكثيرٍ من التروّي، أدعو إلى الرضوخ الفلسفيّ لكون لبنان هو ما هو، وأمرًا واقعًا. فبلادنا عبءٌ وجوديٌّ ينبغي إدراك مشقّته، وتدارُك كنهه، وفهمه، وتفهّم كونه عبئًا واجب الوجود، وتقبّله، وعيشه، والعيش فيه، وحفظه، والحفاظ عليه.
البلدان – الأعباء هي امتحانٌ للوجود حين يفشل في أنْ يكون كلّيًّا، فينكمش في شوارعَ ضيّقة، في وجوهٍ متعبة، في حجارةٍ تعرف أكثر ممّا تقول. يسكن اللبنانيّون في انقطاع المكان. هذا المكان لا ينعدم، يبقى على نحوٍ ناقص، كأنّ النقصان هو شكله النهائيّ.
ليست الكارثة فحسب في ما يتهدّم من لبنان. إنّما الكارثة أنّ المعنى نفسه يفقد صلابته، يصير مائعًا، قابلًا للانثناء مع كلّ ضربة. لا يُختبَر الألم في لبنان بوصفه استثناءً، إنّما قاعدة. والاعتياد عليه ليس قوّةً، بل شكلٌ آخر من العطب.
فلنفهمْ أنّ البلاد هي ما هي، معلّقةٌ بين أنْ تكون ولا تكون، وهذا هو شكلها الوحيد. إنّها تستمرّ، وهذا الاستمرار هو العبء. هي ليست واقعةً في الجيوبوليتيك فحسب، بل في درجةٍ من الانكشاف يبلغها الوجود حين يتخلّى عن ذرائعه. هي موضعٌ يصيبه الخراب، بل شكلٌ من الوجود حين يُسحَب منه ما يبرّره، لكنّه يظلّ. الانهيار ليس عارضًا، إنّما حالةٌ مستمرّة: العالم لا يسقط، بل يتناقص. ما يُرى ليس الدمار فحسب، فالدمار سطحٌ لا يزال يحتفظ بصورة. الأدقّ: أنّ ما كان يربط الأشياء بعضها ببعض ينفكّ. فالبلاد ليست فحسب مجموعة عناصر مختلّة، إنّها اختلالٌ في المبدأ نفسه: الوجود، في أقصى تعثّره، يحتفظ هنا بحدّه الأدنى، فلا ينعدم تمامًا. كما حين يفقد العالم تدريجيًّا قدرته على أنْ يكون عالمًا. فيه، تسقط الأنسنة لا كفكرةٍ أخلاقيّةٍ فحسب، بل كبنية: الإنسان لا يُسحَق فقط، بل يُفرَّغ من شرطه، ومن قدرته على أنْ يتماسك كذات.