.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
إيران دولة تحكمها سردية أكثر مما تحكمها مصلحة. ما كان في بداية الثورة أداة لتوحيد الصفوف وتعبئة الجماهير أصبح اليوم قيداً يحدّ من قدرة الدولة على التكيف مع عالم سريع التغير.
في عالم لم تعد فيه القوة العسكرية أو الثروة الاقتصادية كافيتين لضمان المكانة الدولية، برز مفهوم جديد يتحكم بموازين التأثير وهو امتلاك قوة السردية.
فالإنجازات المادية وحدها لم تعد كافية، بل أصبح التحكم بالمعنى هو العامل الأكثر أهمية وتأثيراً. فامتلاك قوة السردية يعني القدرة على تحديد الكيفية التي تقرأ بها إنجازاتك، وفرض إطار التفكير حتى على الخصوم. الفكرة المحورية هنا لا تعني تقديم رواية مثالية عن الذات، بل رواية تدمج العناصر السلبية أيضاً وتتفوق في توظيف السياق وجعل كل تلك العناصر تخدم الهدف النهائي للسردية الوطنية.
لكن ماذا يحدث عندما تتحول السردية من أداة قوة إلى قيد يكبل صاحبها؟ هذا هو السؤال المحوري الذي تطرحه حالة إيران اليوم.
يلعب البعد الديني-العقدي دوراً محورياً في "صلابة" السردية التي يقوم عليها النظام الإيراني، لأنه يمنحها عمقاً رمزياً يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية. فالنظام لا يقدم نفسه دولة قومية فحسب، بل كحامل لرسالة دينية ومهمة رسولية مستمدة من الثورة الإسلامية الإيرانية، ما يجعله مرتبطاً بفكرة "المشروع" أكثر من ارتباطه بفكرة "السلطة". لكن هذه القوة نفسها تحمل مفارقة؛ فكلما زاد اعتماد السردية على البعد العقدي، أصبحت أقل مرونة أمام التحولات الواقعية.
منذ ثورة 1979، بنى النظام الإيراني شرعيته على سردية محددة الركائز: مقاومة "الاستكبار العالمي" ممثلاً بالولايات المتحدة، معاداة إسرائيل بصفتها كياناً محتلاً، تصدير الثورة الإسلامية إلى العالم، والدفاع عن المستضعفين. هذه السردية ليست مجرد خطاب سياسي عابر، بل تحولت إلى الأساس الذي يقوم عليه وجود النظام ذاته وهويته.