بين حليف غير مضمون... وجار غير مأمون

كتاب النهار 07-05-2026 | 05:22

بين حليف غير مضمون... وجار غير مأمون

إعادة بناء منظومة الأمن الخليجي – سياسياً وعسكرياً واقتصادياً – ستصبح أولوية لا تحتمل التأجيل، على قاعدة بسيطة: إن لم يكن الحليف مضموناً، ولم يكن الجار مأموناً، فلا بد من مظلة ثالثة تُصنع هنا، في هذه الأرض، بقرار خليجي خالص، على قاعدة الأهم فالمهم، تحييد أي خلافات للمصلحة العليا.

بين حليف غير مضمون... وجار غير مأمون
يقف الخليج –والإمارات في قلبه– أمام معادلة قاسية
Smaller Bigger

منذ اليوم الأول لعودته إلى البيت الأبيض، لم يبدُ دونالد ترامب حليفاً بالمعنى التقليدي للكلمة. لم يكن ابن مدرسة الديبلوماسية السياسية المعهودة بتحالفاتها الطويلة النفس، بل تاجر صفقات يرى في الدول ملفات ضغط أكثر مما يراها شركاء وحلفاء.

 

حارب إيران وجر المنطقة إلى حرب مفتوحة بلا استراتيجية حقيقية لنهايتها، ثم حين وصلت نيرانها بعد وقف إطلاق النار إلى عُمان والإمارات، لم يجد حرجاً في وصف العدوان بأنه «ليس كثيفاً» ولا يرقى إلى خرق وقف إطلاق النار. في لحظة كان يفترض أن تُرفع فيها كلفة استهداف حليف خليجي، جرى تخفيض الحدث لغوياً إلى «مناوشة»، كأن الصواريخ التي تعبر سماء الخليج مجرد ضوضاء جانبية في مسرح التفاوض الأميركي–الإيراني.

 

مناوشة!!

المناوشة، يا أيها الرئيس، في معناها اللغوي هي اشتباك أو قتال محدود بين طرفين، لكنه هنا جاء من طرف واحد! وحين تُختزل الصواريخ التي تعبر سماء الخليج إلى «مناوشة»، لا يكون الوصف توصيفاً بقدر ما يكون تخفيضاً متعمداً للحدث. أما تصوير الحرب بوصفها أزمة هرمز، فليس إلا تعويضاً لغوياً عن غياب استراتيجية الحرب، إذ إن المضيق ما قبل الثامن والعشرين من شباط/فبراير، لم يكن معضلة قائمة بحد ذاته، بل أُدخل إلى المعادلة كعنوان لاحق لتبرير ارتباك سابق. هنا لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل: ما هي الإستراتيجية التي تُدار بها منطقة تُختزل فيها الضربات إلى مفردات، وتُستبدل فيها الحقائق بعناوين؟

 

على الضفة الأخرى من المشهد، لا تبدو طهران هي الأخرى دولة ذات طبقة واحدة يمكن فهمها أو محاسبتها بسهولة. هناك إيران التي يتحدث باسمها عباس عراقجي ومحمد باقر قاليباف؛ لغة ديبلوماسية ناعمة تقول إن «لا حل عسكرياً لأزمة سياسية»، وتحذر من الانجرار إلى «مستنقع» جديد في هرمز، وتلوّح بأن الكرة في ملعب الآخرين.

 

وهناك إيران أخرى تمسك بمفاتيح الصواريخ والمضائق والميليشيات؛ إيران الحرس الثوري ووجوهه الأمنية التي ترى في الخليج مسرحاً لرسائل القوة، ومختبراً للمعادلات. بين هاتين الطبقتين يتوه السؤال البسيط الذي يطرحه أي خليجي: مع من أبرم التفاهم؟ ومع من أوقّع اتفاق عدم اعتداء؟ ومن يضمن أن من يوقّع هو ذاته من يملك قرار الإطلاق؟

 

إنكار لا يرمم ثقة

إيران التي ترفع اليوم شعار «لا حل عسكرياً» هي نفسها التي واصلت، حتى تحت لافتة وقف إطلاق النار، إرسال الصواريخ والمسيرات باتجاه الإمارات خلال اليومين الماضيين. الأغرب من ذلك أن الخطاب الرسمي يحرص على إنكار أصل الاستهداف، أو يلوح بعبارات من قبيل: «لو فعلنا لأعلنا». بهذا الإنكار لا تُرمم الثقة، بل تُقصف للمرة الثانية: مرة في السماء، ومرة في الحقيقة. فالجوار، في ثقافة المنطقة، ليس حدوداً جغرافية فحسب، بل شبكة من الاطمئنان المتبادل. وحين يستخدم الجار صواريخه لفرض معادلاته، ثم يستخدم لغته لمسح الأثر، يصبح الجرح أعمق من أن يُغسل ببيان ديبلوماسي.

 

في هذه اللوحة المعقدة يقف الخليج – والإمارات في قلبه – أمام معادلة قاسية: حليف إستراتيجي في واشنطن باتت علاقته تُقاس بميزان المصلحة اللحظية، لا بثبات الالتزام، وجار إيراني اختار طريق القوة الخشنة على حساب رصيد تاريخي من الجيرة، ثم يتوقع أن تكفيه شعارات الحوار لتلميع الصورة. كلا الطرفين ساهم، كل بطريقته، في تآكل ركيزة أساسية من ركائز الأمن الإقليمي: الثقة.

 

فقدان الثقة هذا ليس شعاراً إنشائياً، بل حقيقة سياسية ستنعكس على كل شيء: من هندسة منظومة الدفاع الجوي المشتركة، إلى خيارات التسلح، إلى شكل العلاقات الاقتصادية والديبلوماسية. دول الخليج التي كانت، لعقود، تبني أمنها على مظلة أميركية وعقلانية «افتراضية» لدى الجار الإيراني، تكتشف اليوم أنها مضطرة لإعادة تعريف الإثنين: المظلة لم تعد مضمونة، والجار لم يعد مفهوماً. ما بعد حرب إيران لن يشبه ما قبلها، لا في الخليج ولا في ممراته المائية.

 

ربما يكون الدرس الأهم الذي تخرج به العواصم الخليجية من هذه المرحلة هو أن أمنها لا يمكن أن يبقى رهينةً لأمزجة رئيس أميركي متقلب، ولا لطبقات سلطة متداخلة في طهران، يتكلم بعضها لغة السلام بينما يضغط بعضها الآخر على زر الإطلاق. إعادة بناء منظومة الأمن الخليجي – سياسياً وعسكرياً واقتصادياً – ستصبح أولوية لا تحتمل التأجيل، على قاعدة بسيطة: إن لم يكن الحليف مضموناً، ولم يكن الجار مأموناً، فلا بد من مظلة ثالثة تُصنع هنا، في هذه الأرض، بقرار خليجي خالص، على قاعدة الأهم فالمهم، تحييد أي خلافات للمصلحة العليا.

 

في النهاية، ليست المعضلة أن الخليج يعيش بين «حليف غير مضمون» و«عدو غير مفهوم» فحسب، بل في أن الطرفين ما زالا يتصرفان كأن الزمن يعود إلى الوراء، وأن الدول ستقبل إلى ما لا نهاية أن تكون مجرد مسرح جانبي لحروب الآخرين وحساباتهم. ما تغير اليوم أن هذه الدول باتت تدرك ثقلها الاقتصادي والجيوسياسي، وتعرف أن ثقتها إذا انكسرت، يمكنها أن تعيد رسم الخرائط لا أن تكتفي بالتأقلم معها. وحين تقرر أن تعيد تعريف معنى الجار والحليف، ستكون تلك بداية مرحلة جديدة، لا في الخليج وحده، بل في معجم العلاقات الدولية كله.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/6/2026 10:20:00 AM
قرار توحيد القوات المسلحة عام 1976 أثبت خلال الاعتداءات الإيرانية الأخيرة قدرته على حماية الاتحاد عبر منظومة موحّدة تمتصّ الهجمات وتمنع انتقالها إلى الداخل.
الخليج العربي 5/6/2026 3:44:00 PM
استمع من القائمين على المنصّات إلى شرح حول أبرز المبادرات والمشاريع الجديدة التي أعلنت خلال الفعاليات
المشرق-العربي 5/6/2026 3:04:00 PM
تؤكد مصادر عراقية مطلعة، لـ"النهار"، أن خطوة الفصائل تأتي في إطار سعيها إلى تثبيت حضورها داخل العمل السياسي، وتهيئة نفسها لدخول حكومة علي الزيدي.
المشرق-العربي 5/6/2026 12:06:00 PM
في المقابل، لا تزال جهود الوسطاء مستمرّة...