سجاد وطيلسان
منذ أن دخلت إيران يومياتنا، دخلت معها حكاية حائك السجاد الإيراني. كل كاتب أو محدث أو سمسار يصر على ضرب المثل بقدرة صانع السجاد على الصبر: خيط بعد خيط ويوم بعد يوم وأحيانا سنة بعد سنة، ولا تذمر ولا تململ. والحكمة من حكاية السجادة وحائكها أن الإيراني الصبور سوف يكون المنتصر في نهاية أي نزاع، وهذا ينطبق على خلاف حول قطعة أرض أو حول مجرى النيل.
جعلت حكاية السجادة من عدد كبير من الزملاء، خبراء في الشؤون الإيرانية ومراجع موثوقا بها في الشعر الفارسي.
أتلافى قدر الإمكان النهل من نبع مزدحم، وأحرص على البحث عن سواه. ولطالما وجدتني هاربا من زميل يكرر على نفسه وعلي وعلى المسكونة قصة الصبر الإيراني الإستراتيجي. لكن أحداث الآونة الأخيرة أوقعتني في مأزق: كيف أتحدث عن قدرة الإيرانيين على الإطالة والتكرار من دون العودة إلى الإرث الكبير؟ ثم، هل نسينا أن أشهر سامع وأشهر حكائية في التاريخ كانا من فارس؟ شهريار ومؤنسة لياليه شهرزاد. ألف ليلة وليلة، ليلة بعد ليلة، أو بعد ليلى.
لمن يهمه الأمر من ضاربي الأمثال، عثرت أخيرا على نموذج عن مهارة التاجر الإيراني، سجادا وأقمشة وطيلسانا (الشال الفارسي). ففي كتابه "رحلة بغداد العام 1834" يصف الرحالة جيمز فريزر الفارق بين التاجر التركي والإيراني في أسواق بغداد. الأول هادئ لا يساوم ولا يتكلم كثيرا، "ولو كان مكانه تاجر إيراني لسألك دزينة من الأسئلة عما تريد، ولعرض عليك بالتعاقب، خمسين شيئا من الأمور التي لا تحتاج إليها، ولقفز من مكانه وعاد إليها مرات" وهو يحاول إقناعك بشراء ما لا تحتاج اليه. يذكّر هذا السلوك في أسواق بغداد بالطريقة التي يتفاوض فيها الإيرانيون حول القضايا السياسية اليوم. ما بين حائك السجاد وبائع الأقمشة، أخذ ورد ومساومة ومحاولات إقناع لجوجة بأن تشتري ما لا تريد ولا تحتاج إليه.
نبض