أوهام الإمبراطورية في زمن الدولة الوطنية
لقد انتهى زمن التوسع القسري وفرض النفوذ المباشر واستقلال ثروات الشعوب منذ أكثر من قرن، ليس بفعل التغيرات السياسية وحسب، بل نتيجة تطور عميق في بنية النظام الدولي.
لم يعد العالم اليوم يتسع لمشاريع الإمبراطوريات، تلك التي سادت قروناً ثم تراجعت أمام صعود مفهوم الدولة الوطنية الحديثة.
لقد انتهى زمن التوسع القسري وفرض النفوذ المباشر واستقلال ثروات الشعوب منذ أكثر من قرن، ليس بفعل التغيرات السياسية وحسب، بل نتيجة تطور عميق في بنية النظام الدولي. هذا النظام، رغم كل عيوبه، بات يقوم على الاعتراف بالدولة الوطنية المستقلة، وحمايتها ضمن إطار الشرعية الدولية، ولو بشكل نسبي.
صحيح أن نشوء الدولة الوطنية لم يكن سهلاً، ولم يخلُ من الصراعات والانقسامات، إلا أنها أصبحت اليوم الوحدة الأساسية في العلاقات الدولية. عضوية الأمم المتحدة، والاعتراف المتبادل بين الدول، وجود منظومة قانونية دولية، كلها عوامل جعلت من الصعب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء نحو زمن الإمبراطوريات.
التجربة الأوكرانية تقدم مثالاً واضحاً على هذا التحول. روسيا، وهي دولة كبرى تمتلك أدوات قوة تقليدية هائلة، حاولت استعادة ما تعتبره نفوذها التاريخي عبر القوة العسكرية المباشرة، إلا أنها بعد أربع سنوات من الحرب لم تستطع تحقيق أهدافها الكاملة. السبب لا يعود إلى مقاومة الشعب الأوكراني وحسب، بل أيضاً إلى وجود بيئة دولية رافضة لفكرة ابتلاع دولة مستقلة. هذا الرفض لم يكن أخلاقياً فقط، بل سياسياً واستراتيجياً، لأن السماح بذلك يفتح الباب أمام فوضى دولية لا يمكن ضبطها.
في هذا السياق، تبدو بعض المشاريع الإقليمية، وعلى الأخص ما تدعيه إيران من أحقية وجودها في الجوار أو ملكية ممر مائي دولي مثل مضيق هرمز، يبدو وكأنها تعيش خارج الزمن التاريخي.
وَهم...
إيران، سواء في عهد الشاه أو في عهد النظام الحالي، تبنت بدرجات مختلفة فكرة التوسع الإقليمي. في المرحلة الأولى، كان المشروع ذا طابع قومي، يسعى إلى استعادة دور تاريخي لإيران كقوة إقليمية كبرى، وذلك وهم. وفي المرحلة الثانية، لبس المشروع بعداً قومياً/مذهبياً، حيث تم توظيف البعد المذهبي لتوسيع النفوذ خارج الحدود، وهو وهم آخر.
يبدو أن إيران تحت هذا النظام مغرمة بالأوهام، لعلنا نتذكر قول محمود أحمدي نجاد، الرئيس السادس للجمهورية الإسلامية (حكم من 2005- 2013) في مرتين، وقامت ضده "الثورة الخضراء 2009"، قال من على منبر الأمم المتحدة إن "سبب الجفاف في إيران هو سرقة الغرب للغيوم من سماء إيران"!! وقتها ضجت القاعة بالابتسام، الساخر، إلا أن أمر الغيوم لا زال أمام أعين متخذ القرار في طهران، والذي لم يعد يشيع الخطاب القومي الاستعلائي وشهية التوسع، بل خطاب أسطوري خارج سياق العقل والمنطق !
لا لمشاريع التوسع
السعي إلى بناء مجال نفوذ يتجاوز حدود الدولة الوطنية... هذه الفكرة، مهما تغيرت شعاراتها، تصطدم بحقيقة أساسية، وهي أن العالم لم يعد يقبل بمشاريع التوسع. لم تعد هناك فراغات يمكن ملؤها دون مقاومة، ولم تعد الشعوب تقبل بأن تكون جزءاً من مشروع خارجي مهما كانت مبرراته.
الأخطر من ذلك أن مشاريع التوسع هذه لا تكون مكلفة على الآخرين فقط، بل على أصحابها أيضاً. الموارد التي تُنفق على التوسع الخارجي الإيرانى، تأتي غالباً على حساب التنمية الداخلية. الاقتصاد يتأثر، بشدة والاستقرار الاجتماعي يتعرض للاهتزاز، وتتوسع البطالة ويسود الفقر، وتصبح الدولة في حالة استنزاف دائم، وهذا ما يظهر بوضوح في تجارب متعددة، حيث تتحول القوة الخارجية إلى عبء داخلي، وايران ليست استثناء مهما كبر متخذ القرار، وفرض القمع على شرائح واسعة في مجتمعه...
التاريخ الحديث يؤكد هذه الحقيقة. الاتحاد السوفياتي، رغم قوته العسكرية الهائلة، انهار جزئياً بسبب كلفة التوسع الخارجي، وعدم قدرته على مواكبة التطور الاقتصادي. ودول أخرى سلكت المسار نفسه، حيث اكتشفت متأخرة أن بناء النفوذ لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء الدولة. في الحالة الإيرانية، يظهر التناقض بوضوح. دولة تمتلك إمكانات بشرية واقتصادية كبيرة، لكنها توظف جزءاً مهماً من هذه الإمكانات في مشاريع خارجية لا تعود بعائد مباشر على المواطن. هذا التوجه لا يتعارض فقط مع منطق الدولة الوطنية، بل مع متطلبات التنمية في العصر الحديث. كما أن تسويق هذه المشاريع تحت شعارات مختلفة، لم يعد كافياً لإخفاء حقيقتها.
المجتمعات أصبحت أكثر وعياً، والعالم أكثر ترابطاً، والمعلومات أكثر انتشاراً. لم يعد من السهل إقناع الشعوب بأن التوسع الخارجي هو طريق الرفاه الداخلي. في المقابل، فإن الاتجاه العام في العالم يسير نحو تعزيز مفهوم الدولة الوطنية، ليس بمعنى الانغلاق، بل بمعنى بناء دولة قادرة على تلبية احتياجات مواطنيها، والانخراط في النظام الدولي من موقع الشريك لا المهيمن. هذا هو المسار الذي حقق نجاحات ملموسة في تجارب عديدة، من شرق آسيا إلى أوروبا. هو دليل على أن المسار الناجح للدولة متعارض تماماً مع المشروع الإيراني القائم، وكلما أفاق متخذ القرار لتلك الحقيقة البسيطة، اقترب موعد السلام الحقيقي في هذه المنطقة المنكوبة بالشعارات الجوفاء.
نبض