العرب بين مفاهيم قديمة وواقع جديد!

كتاب النهار 05-05-2026 | 04:10
العرب بين مفاهيم قديمة وواقع جديد!

لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان مفهوم "الأمن القومي العربي" لا يزال قائماً، بل كيف يمكن إعادة تعريفه ليصبح أكثر قدرة على تفسير الواقع، وأكثر فاعلية في التعامل معه؟

العرب بين مفاهيم قديمة وواقع جديد!
تراكم حاد للأزمات (أ ف ب)
Smaller Bigger

مؤكد أن أمن مصر لم يعد منفصلاً عن تطورات قطاع غزة، ولا عن التوازنات في ليبيا، ولا عن استقرار السودان، بل إن هذه الملفات أصبحت مترابطة بشكل يجعل أي اضطراب في أحدها قابلاً للامتداد إلى الداخل المصري، سواء عبر تدفقات اللاجئين، أو تهديدات الحدود، أو التأثيرات الاقتصادية غير المباشرة.

كما أن الإقليم يقف أمام حالة من التراكم الحاد للأزمات؛ فالتوترات المرتبطة بإيران لم تعد شأناً خليجياً محضاً، بل تحولت إلى عقدة استراتيجية تمتد خيوطها إلى أكثر من ساحة، من الخليج إلى المشرق العربي، وفي الوقت ذاته، هناك التصعيد المباشر أو غير المباشر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بما يفتح الباب أمام سيناريوات لا يمكن احتواؤها ضمن قواعد الاشتباك التقليدية، بينما على خط موازٍ، تستمر المأساة في قطاع غزة بصفتها بؤرة تفجير دائمة، لا تقف تداعياتها عند حدودها الجغرافية الضيقة، بل تمتد إلى جنوب لبنان، مهددة بتوسيع نطاق المواجهة إلى مستوى إقليمي أوسع.

ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن الأزمات البنيوية التي تعصف بعدد من الدول العربية، مثل ليبيا والسودان واليمن، حيث تتآكل فكرة الدولة الوطنية تحت ضغط صراعات داخلية متشابكة، تتداخل فيها الانقسامات السياسية مع الهشاشة الاقتصادية والتدخلات الخارجية، وهذه الحالات لا تمثل استثناءات، بل تعكس نمطاً يتكرر بأشكال مختلفة، ويشير إلى خلل أعمق في بنية النظام الإقليمي ذاته.

وحين تتبدل الأزمنة، ومعها الأحداث، على هذا النحو المتسارع، لا تعود المفاهيم الكبرى مجرد أدوات تفسير، بل تصبح نفسها موضوعاً للمساءلة وإعادة البناء، فالشعارات التي وُلدت في سياقات تاريخية مختلفة، مرتبطة بلحظات صعود قومي أو توازنات دولية بعينها، لم تعد قادرة على استيعاب واقع إقليمي يتشكل اليوم تحت وطأة تفاعلات أكثر تعقيداً وتشابكاً، ولم يعد بالإمكان الاكتفاء بإعادة إنتاج خطاب قديم في مواجهة مشهد تتداخل فيه مستويات الصراع، من المحلي إلى الإقليمي فالدولي، بصورة غير مسبوقة.

هكذا يبدو مفهوم "الأمن القومي العربي" كأنه يمرّ بمرحلة انتقالية حرجة، وغير قادر على الحفاظ على صيغته الكلاسيكية التي ارتبطت بفكرة التهديد الخارجي المباشر أو العدوان العسكري التقليدي، بل أصبح مفهوماً مفتوحاً على إعادة التعريف، في ظل تعدد مصادر التهديد وتغير طبيعتها. فالأمن لم يعد يُختزل بحماية الحدود، بل بات يشمل حماية تماسك الدولة من الداخل، وصون الهوية الوطنية من التفكك، وضمان استقرار المجتمعات في مواجهة ضغوط اقتصادية وإعلامية وثقافية عابرة للحدود.