أميركا وإيران في مأزق وإسرائيل مستفيدة
لم يكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب يرفض المقترح الإيراني ما قبل الأخير حتى أعلن الوسيط الباكستاني أنه تلقى مقترحاً جديداً، وسيكون المقترح التالي جاهزاً فور رفض الأخير.
وهذا ما يسمّى لدى الخبراء "متاهة مفاوضات شكلية" تستخدمها طهران لتكسب الوقت ولتشيع في عالم الديبلوماسية أنها وواشنطن لا تزالان في حال "تفاوض"، وبالتالي أقرب إلى إنهاء الحرب منهما إلى استئنافها. لكن التفاوض بالرسائل للالتفاف على شروط أميركية لا تبدو قابلة للتعديل يرسّخ الجمود ويبقى بلا نتائج، ولا يبعد شبح الحرب.
أما لعبة كسب الوقت فليس واضحاً ما يمكن أن تحققه لإيران. صحيح أنها تضاعف الخسائر في أزمة الطاقة وأزمة الاقتصاد العالمي، إلا أن الدول المتضررة تحمّل المسؤولية في هذا المجال لطرفي الحرب. وإذا كانت غالبيتها تؤيد مبدئياً معاقبة إيران على مسلكها العدواني، خصوصاً تجاه الجوار الخليجي والمحيط العربي، فإن الطريقة التي أدارت الولايات المتحدة الحرب بها، اعتماداً على تخطيط إسرائيلي، حالت دون تشكيل تحالف دولي أو حتى إقليمي لإسنادها.
فقد همّشت أميركا أبرز حلفائها التقليديين وردّ دونالد ترامب على انتقاداتهم بإهانات غير مسبوقة، كما تركت أقرب أصدقائها في المنطقة يتلقون الضربات ويتكبّدون الخسائر، ومع ذلك تريد مطالبتهم بتحمّل كلفة الحرب كما لو أنها أشعلتها بطلبٍ منهم أو لأجلهم، ومن دون أن توضح كيف ستنهيها وعلى أي أسس، فـ"اليوم التالي" مجهول، وآخر بيان لـ"الحرس الثوري" باسم مجتبى خامنئي يستعيد مقاربة الخليج العربي بلغة فوقية ومنفصلة عن الواقع.
رجّحت المداولات الأميركية حول الخيارات المتاحة لكسر الجمود، ونقل أطنان من الذخائر إلى إسرائيل، احتمال العودة إلى الحرب، لكن من دون تسميتها "حرباً" بل "عمليات عسكرية" بمشاركة إسرائيلية. يُعزى ذلك إلى أن إدارة ترامب تريد تنظيم تهربها من المساءلة في الكونغرس، فـ"الحرب" تتطلب تفويضاً إذا تجاوزت ستّين يوماً، أما "العمليات" فلا قيود عليها ويمكن أن تستهدف مواقع لم تُضرب في مرحلة الـ40 يوماً، أو تتضمّن اغتيالات وإنزالات برّية وتنفيذاً جزئياً للتهديدات السابقة بقصف جسور ومحطات طاقة ومنشآت نفطية.
تأكيداً لهذا التوجّه، حرص ترامب على إبلاغ الكونغرس بأن "الحرب انتهت"، وهو يعتبرها منتهية لأنها في نظره حققت أهدافها العسكرية، ولو صحّ ذلك لما اهتمّ بالتفاوض للحصول على اتفاق سياسي. وفيما تقول طهران إن أميركا لن تحقق بالتفاوض ما لم تتمكّن من تحقيقه بالقوة العسكرية، فإنها تلتقي مع مصادر في الإدارة الأميركية تعتبر أن كل المقترحات الإيرانية لم تلبِّ "شروط" ترامب، ولذلك فهو يحجم عن إعلان إنهاء الحرب رسمياً.
قبل الحرب كان البرنامج النووي هو العقدة، وإذ طبّقت طهران استراتيجية "إطالة الحرب" مع إغلاق مضيق هرمز لإرباك واشنطن دولياً، فقد أضيف الحصار البحري للموانئ الإيرانية ليصبح المضيق عقدة أخرى. كانت طهران اشترطت إنهاء الحرب لدخول المفاوضات فحصلت على وقف لإطلاق النار، لكن جولة التفاوض في إسلام آباد فشلت، ومع تمديد وقف النار فُرض الحصار الأميركي للموانئ فأضعف "الورقة القوية" (هرمز) في يد طهران، لكنه فاقم أزمة الطاقة وتداعياتها العالمية. واشترطت طهران أيضاً "ضمانات" بعدم معاودة الحرب عليها ودفع تعويضات عن خسائرها، ملوّحة بفرض رسوم على مرور السفن عبر مضيق هرمز (إذا تعذّر التعويض عن الخسائر، وهو متعذّر)، لكنها لم توافق على الشروط الأميركية الثلاثة: وقف تخصيب اليورانيوم لمدة عشرين سنة، والتعهّد بعدم السعي إلى اقتناء سلاح نووي، وتسليم كمية اليورانيوم العالي التخصيب.
في المقترحات الأخيرة حاولت إيران إجراء مقايضة على قاعدة "إنهاء الحرب مع ضمانات": فتحٌ كاملٌ للمضيق مقابل رفع الحصار على الموانئ، والتفاوض لاحقاً (بعد إنهاء الحرب) على قيود البرنامج النووي مقابل رفع كامل للعقوبات. وكان واضحاً للجانب الأميركي أن أولوية إيران حالياً هي لرفع الحصار، لأنه فرض عليها للمرّة الأولى "صفر صادرات نفطية" للأسبوع الثالث على التوالي، وإذا استجابت واشنطن للمقايضة ووافقت على تأجيل بتّ الملف النووي، فإن طهران ستستأنف تصدير النفط لكنها ستتصلّب حيال الشروط النووية. لذا قررت واشنطن إبقاء الحصار وتشديده، حتى أن ترامب وصفه بأنه "أكثر فاعلية" من الضربات العسكرية.
شكّل هذا الحصار مَخرجَاً آنياً لترامب، كما بدت المقترحات المتوالية شبه مَخرَج لإيران. لكن المأزق مستمر على الجانبين، فما هو متوقّع من التفاوض لا يمكّن أي طرف من تأكيد "نصره". أما العودة إلى "العمليات العدائية" فتزيد الضغط على قيادة طهران، لكن أي أهداف يمكن ضربها لتكون موجعة وحاسمة. في الأثناء يُظهر ترامب ثقةً لا تخفي انفعاله لأن الأمور لا تسير بالسرعة التي يتوخّاها، لذا استعاد مطالبة إيران بـ"الاستسلام الآن" أو تهديدها بـ "سندمرها أو نبرم اتفاقاً معها". أما إسرائيل - نتنياهو فتواصل جرائمها في لبنان وتستعد لمرحلة دموية جديدة في قطاع غزّة.
نبض