لئلا تتكرر نسخة "الثمانينيات" اللبنانية!
يقف لبنان في المرحلة الحالية التي تتسم بخطورة عودة الحرب وانهيار الهدنة الأميركية المفروضة بدفع شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمام واقع مثير للكثير من الريبة والشكوك حيال إمكانات "متانة" الالتزام الأميركي طويلاً من جهة وقدرة لبنان الحقيقية على توظيف هذا الالتزام في دعمه من جهة أخرى.
وهو أمر مشروع وبديهي تماماً أن تغلب الخشية المزدوجة هذه على الطموحات المتعجلة لأن الفصل الأول من الهدنة "المزعومة" كشف ما لا يرغب اللبنانيون في توقهم إلى تحقيقه بتصديقه، لجهة عدم الفصل فصلاً حاسماً وواقعياً بعد بين المسارين التفاوضيين لكل من إيران ولبنان.
والحال أن الوقائع الميدانية الجارية في الجنوب خرجت في مجملها عن تجارب الحروب السابقة وباتت تنسج واقعاً هو الأخطر إطلاقاً من كل السوابق. هذا الواقع الذي يزعم "حزب الله" أنه بسلاحه سيكون قادراً على إزالته، جعلت منه إسرائيل استعادة حرفية لغزة بعدما أقدمت للمرة الأولى في تاريخ اجتياحاتها وحروبها مع لبنان على محو المعالم العمرانية والمدنية كلها في نطاق منطقة عازلة تضم أكثر من خمسين بلدة وتتعاظم الخشية من احتلالها الدائم بما يشبه تماماً ما فعلته في غزة ومناطق محتلة شاسعة في سوريا.
انهيار الهدنة
جرى ويجري ترسيخ هذا الواقع فيما لا يزال دعاة رفض المفاوضات بين لبنان وإسرائيل يقدمون الخدمات الجلى لمنطق المواجهة، بما يعني أن انهيار الهدنة سيعني أمراً واحداً هو إعادة دفع إسرائيل لتوسيع عملياتها وغاراتها في الجنوب وخارج الجنوب في الأعماق اللبنانية، وربما أيضاً دفع الوضع الداخلي إلى اهتزازات تترجم الحملات السياسية والإعلامية العنيفة التي يشنها "حزب الله" وأتباعه على رئيسي الجمهورية والحكومة جوزف عون ونواف سلام ومعهما كل خصوم الحزب ورافضي سياساته الانتحارية ربطاً بولائه لإيران.
بذلك يواجه الرئيس عون مدعوماً برئيس الحكومة والقوى المنادية بالمفاوضات التحدي الأخطر في توظيف الدفع الأميركي بأقصى سرعة عبر قدرة الإقناع على التزام إجراءات حاسمة للمضي في مفاوضات مع إسرائيل تؤدي إلى اتفاق كامل، وليس استحضاراً لاتفاقات سابقة أو تجارب سابقة ذهبت بذهاب ظروفها .
اتفاق الهدنة لعام 1949
فالعزف على وتر اتفاق الهدنة لعام 1949 صار أشبه بالتغني بتاريخ اضمحل، والحديث المتجدد على اتفاقات وقف نار متجردة وإجراءات أمنية صرفة وترسيمات حدودية برية وبحرية مستقلة، كل هذا جرب وانتهى عند مفاعيل حروب الإسنادات التي خاضها الحزب واستدرج معها إسرائيل إلى إسقاط كل العتيق في تجارب الاجتياحات والشروع الآن في ترسيخ أخطر نسخة احتلالية للجنوب.
وما لم يتجه لبنان إلى اتفاق كامل أمني وحدودي وسياسي من دون تردد أو تورية تحت وطأة الخشية من فزاعات التهويل بالحرب الأهلية، فإن إيران ستبقى قادرة على النفاذ إلى ملفه وواقعه حتى في خلفية مفاوضاتها مع أميركا، كما أن إسرائيل اقتطعت ما يكفيها لاحتلال دائم يقيها تداعيات غضبة سكان الشمال الإسرائيلي.
قد يكون الأخطر أيضاً، أن تعود نسخة الثمانينيات من القرن الماضي حين اقتحم الحرس الثوري الإيراني لبنان على صهوة العمليات الإرهابية والتفجيرات الضخمة لمقار السفارة الأميركية وقوات المارينز والمظليين الفرنسيين، وهو احتمال لا يجوز إسقاطه إذا انهارت الهدنات على كل جبهات الحروب وجبهات المفاوضات، ولو أن ظروف الزمن الحالي تبدلت جذرياً عن ذاك الزمن وصارت إيران الآن بعد الحرب الأخيرة في مراحل نزاعها كقوة مخيفة كما كانت قبل الحرب. ولكن استباحة لبنان لن يعوزها الكثير ما لم تمض دولته إلى ذاك الإنقاذ الجراحي مهما كلف الأمر.
نبض