الحوثيون وبلطجة المضائق
انخراط الحوثيين بعد أكثر من شهرٍ على الحرب الأميركية - الإسرائيلية لم يكن مجرد تأخر في التوقيت، بل إشارة إلى طبيعة الدور نفسه. فالحوثيون لم يدخلوا من موقع المبادرة، بل تحركوا حين رأت طهران أن ورقة البحر الأحمر يجب أن تتحرك ضمن سقفٍ محسوب. لذلك جاء هذا الانخراط متأخراً ومحدوداً، أقرب إلى أداة ضغطٍ لرفع التكلفة وإثبات الحضور، لا إلى تحولٍ عسكري يمكنه تغيير مسار الحرب. وهذا ما يفسر محدودية أثرهم حتى الآن.
الفارق كبير
الحوثيون يستطيعون إطلاق الصواريخ والمسيرات، ويستطيعون إزعاج إسرائيل ورفع منسوب القلق في البحر الأحمر، لكنهم لا يملكون ما يحسم المعركة أو يقلب نتائجها. الفارق كبير بين ميليشيا ترفع التكلفة الأمنية، وبين قوةٍ تفرض معادلةً جديدة على الأرض. لذلك، فإن المبالغة في تصوير انخراطهم بوصفه نقطة تحولٍ لا تعدو كونها خلطاً بين الضجيج العملياتي والأثر الاستراتيجي الحقيقي.
لكن هذا لا يعني أن أثرهم معدوم؛ فباب المندب ممر بحري حساس، ويكفي التهديد فيه لرفع تكلفة التأمين، ودفع بعض شركات الشحن إلى تغيير المسار، وإرباك أسواق الطاقة والتجارة. هنا تظهر الوظيفة التي رُسمت للحوثي في هذه الحرب. فهو لا يغلق المضيق فعلياً، لكنه يوظفه كورقة ابتزاز. وهذا تحديداً ما تريده طهران منه، أداة بلطجةٍ عند المضائق، لا أكثر.
لكن هذه الورقة لها حدود أيضاً. الحوثي يستطيع التعطيل أكثر مما يستطيع السيطرة، ويستطيع التلويح أكثر مما يستطيع الذهاب إلى مواجهةٍ بحرية مفتوحة وطويلة. وأي تصعيدٍ واسع في باب المندب لن يمر بلا رد، ليس من الولايات المتحدة وإسرائيل فحسب، بل من قوى إقليميةٍ ودولية ترى في أمن الملاحة مسألةً مباشرة لا تحتمل التساهل. لذلك يحاول الحوثيون البقاء تحت سقفٍ محسوب، يزعجون ويرفعون التكلفة، لكنهم لا يذهبون إلى كسر كل الخطوط في وقتٍ واحد.
لكن حدود هذا التحرك لا تفرضها القدرة وحدها. فالحوثيون يعرفون أن الانتقال من التهديد إلى استهدافٍ واسع للملاحة، أو إلى توسيع الاشتباك خارج هذا الإطار، قد يفتح عليهم مواجهةً أكبر مع الولايات المتحدة ويعرّضهم لضرباتٍ أوسع هم ليسوا في حاجة إليها الآن. لذلك فهم يلوّحون بورقة باب المندب أكثر مما يستخدمونها بالكامل، لأن تكلفة الانزلاق إلى تصعيدٍ مفتوح قد تصبح عليهم أكبر من المكسب الذي تريد طهران تسجيله.
ولا يكفي هنا الرهان على تراجع الدعم الإيراني وحده. فالحوثي لم يعد يعتمد على ما يصله من طهران مباشرة فحسب، بل بنى خلال السنوات الماضية شبكات تهريبٍ وتمويل واقتصاد حرب تساعده على الاستمرار. وهذا يعني أن تقليص الخطر لا يمر عبر الضغط على إيران وحدها، بل أيضاً عبر ملاحقة الممرات البحرية، ومسارات التهريب عبر القرن الأفريقي، وشبكات الإمداد داخل اليمن، وتشديد الرقابة على المكونات التي تسمح بإعادة إنتاج هذا التهديد.
والنتيجة أن اليمن هو من يدفع الثمن أولاً. فالحوثي، بوصفه ميليشيا تدار من النظام الإيراني، يدفع اليمن كله، شمالاً وجنوباً، إلى تكلفةٍ إضافية لا علاقة لها بمصلحة اليمنيين. وكل تصعيدٍ جديد يعني مزيداً من العزلة، ومزيداً من الضغط الاقتصادي، ومزيداً من تعطيل أي فرصةٍ لتسوية جدية. عند هذه النقطة تبدو الشرعية اليمنية أمام اختبارٍ جديد. هل تبقى في موقع المتفرج مرة أخرى، أم تتعامل مع اللحظة باعتبارها فرصةً لإعادة طرح ملف الحديدة واستعادة المبادرة السياسية؟
لا يملكون الحسم
الحوثيون دخلوا الحرب متأخرين لأنهم يعرفون حدودهم، وإيران تستخدمهم لأنها تعرف وظيفتهم. هم لا يملكون حسم الحرب، لكنهم يملكون تكريس تهديدٍ مزمن للممرات البحرية ورفع تكلفة الاستقرار الإقليمي. والخطر ليس في المبالغة في حجمهم، بل في تركهم يرسخون هذا الدور خدمة لمشروع أيديولوجي عابر للحدود لا يورث اليمن سوى مزيدٍ من الخراب.
*كاتب إماراتي
نبض