هل تبتلع عاصفة الحرب كل أطرافها قبل أن تهدأ؟

كتاب النهار 29-03-2026 | 06:05
هل تبتلع عاصفة الحرب كل أطرافها قبل أن تهدأ؟
في السياسة، كما في البحر، لا تقاس العاصفة بارتفاع الموج، بل بقوة التيار الذي قد يدفع السفينة إلى حيث لا تريد. فهل تبتلع عاصفة الحرب كل أطرافها قبل أن تهدأ؟
هل تبتلع عاصفة الحرب كل أطرافها قبل أن تهدأ؟
من ينتصر بالسياسة؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

لا تختصر صور هذه الحرب بحفرةٍ في مدرج، وسحابة دخانٍ فوق منشأة، بل تضاف إليها صور كثيرة: شلل الناقلات، بوالص التأمين، وخطط الطوارئ لدى المصافي الآسيوية، والوجوم الجاثم فوق البنوك المركزية.

لا يسقط المؤمن في الحفرة مرتين! لكن ترامب سقط حباً في خداع نتنياهو مرتين: أولاهما: في حرب الـ12 يوماً حول قرب إيران من إنتاج القنبلة، والأخرى حول السقوط الوشيك للنظام الإيراني.

ذئب نازف

لكن بعد شهرٍ من هذه الحرب يتضح أمر مركزي: أن إيران ليست جمهورية موز، فلقد أُصيبت أطرافها الحيوية بعمقٍ كبير، لكنها لم تُشل، الأمر الذي يمنح الصراع عمراً إضافياً.

فالدولة التي تخسر من دون أن تهزم تبقى تنازع جروحها المضنية، كذئبٍ نازف، وتبقى قادرةً على حرمان خصومها انتصاراً ناجزاً. وما أكثر الحروب الناقصة في هذا الشرق الأوسط.

والدرس هو: من ينتصر بالسياسة؟ ومن يهزم فيها؟ إذ لا تخرج السياسة من منصات الصواريخ، بل من سلطة الحكم على الأرض، وطهران لا تُحكم من السماء، بل من الأرض!

استراحة تكتيكية

من جهتها، إسرائيل لا تطرح سلاماً مع إيران، بل تجد أي تعهدٍ إيراني لا يترافق مع الهزيمة النهائية والعضوية لإيران التزاماً واهياً. من جهتها، كما أثبتت حرب الـ12 يوماً، تجد إيران في وقف النار مجرد استراحةٍ تكتيكية، وتحضيراً لاستعادة ردعٍ في جولةٍ مقبلة.

وفي لعبة عضّ الأصبع الصفرية هذه، ما لم يتبدل سياق الصراع سياسياً سيراهن كل طرفٍ على أن خصمه سيتعب قبله. وسيعيد كلاهما إشعال "النار من مستصغر الشرر".

أميركياً: يراهن نتنياهو على حاجة ترامب الى نصرٍ بائن، وتراهن إيران على رفع تكلفة الحسم، وتحويل الحرب من حملةٍ قصيرة إلى مساومةٍ طويلة، بل إنها تعمل لإقناع ترامب بأنه فاز، وأن ترفع تكلفة حسم المعركة على أميركا سواء في هرمز وتكلفتها إن نزل على الأرض.

وفيما يمر في هرمز ما يقارب 20% من حاجة البشرية للطاقة، يمسك طرفا الصراع بعنق المضيق لتختنق به آسيا، وتحسّ به البنوك الأوروبية، وتنحدر استطلاعات الرأي في أميركا.

لا تحتاج إيران إلى إغلاق المضيق تماماً، بل يكفيها عدم اليقين والخوف وارتفاع بوالص التأمين، ولا تغيير الطرق البديلة من سياق الأزمة. فحين يضيق الباب، لا تعوضه النوافذ! ليعود التضخم الاقتصادي (4% في اقتصادات مجموعة العشرين خلال 2026) إلى قلب المسرح العالمي. فلا يبقى البرميل سلعةً في السوق، بل ينتقل سريعاً إلى جيب المستهلك وصناديق الاقتراع.

تلوح إيران بورقةٍ حاضرة كشيكٍ مؤجل: إنها أصغر حجماً، ولكنها أشد كثافةً وخطراً! إنها الـ 440.9 كيلغ من اليورانيوم المخصب 60%، الذي يؤكد رافاييل غروسي، أن هيئة الطاقة النووية لم تتمكن من رصد أكثر من نصفه!

نظرياً، سيكفي هذا المخزون إن عولج بشكلٍ تقني مناسب، لإنتاج مادةٍ انشطارية لأكثر من عشر قنابل. لذلك تبقى هذه القنابل مجرد مشروع، لكنها تجعل كل هدنة موقتة ما لم يقفل ملفها.

نعم تغيرت طبيعة النظام في إيران! ولكن ليس كما يشتهي نتنياهو تماماً! فكلما طال أمد الصراع، تبلور تهتك النظام الإيراني، ليصبح أشد عسكرةً؛ وأكثر ميلاً إلى الاحتماء بلغة الحصار والنجاة، ويصير الخطاب عسكرياً قومياً مثخناً بالجروح والشراسة.

ليس التاريخ زينةً، بل إنه مرآة للاحتمالات. ففي حرب الناقلات خلال الثمانينات بدأت الولايات المتحدة بمرافقة الناقلات المعاد تسجيلها تحت العلم الأميركي في عملية Earnest Will، ثم ردّت في عملية Praying Mantis عام 1988 بعد إصابة السفينة الأميركية USS Samuel B. Roberts بلغم. لم يكن الدرس أن القوافل عديمة الجدوى، بل إن الجغرافيا الخليجية تمنح القوة الساحلية قدرةً دائمة على الإزعاج حتى في وجه بحريةٍ أعظم منها. إذ لا تحتاج الممرات الضيقة إلى جيوشٍ جرارة كي تصبح خطرة؛ بل انهيار القانون الدولي وبضعة ألغام وزوارق.

في 1973 و1974 لم ينقطع النفط إلى الأبد، لكن الصدمة كانت كافية ليقفز السعر بدايةً إلى الضعف ثم إلى أربعة أمثاله تقريباً، وليدخل الاقتصاد العالمي نفق التضخم والركود معاً. وقد وثّقت وزارة الخارجية الأميركية والاحتياطي الفيدرالي كيف عمّقت تلك الصدمة اختلالاتٍ قائمة، ودفعت الحكومات إلى إعادة التفكير في الاحتياطيات الاستراتيجية، وكفاءة الوقود، وحدود الاعتماد على الخارج.

مثل شرارة في الحقل، لا تحتاج حروب الطاقة أن تطول، كي تشعل الحريق على المستوى الدولي!

تسعى إيران عملياً الى تحويل الخليج العربي إلى بؤرة مفتوحة للصراعٍ الدولي: ردع بلا ثقة، ومساومات بلا توافقات ولا سلام، وممرات بحرية تحت سطوة المدافع، وأسواق قلقة. بل تمعن إيران في نكرانها لجيرتها العربية واعتداءاتها السافرة!

من جهتها، تدرك دول الخليج العربي أن بعض الحروب لا يخرج من منصات الصواريخ، بل عبر خنق مصادر الطاقة وناقلاتها وتكريس تهديدات "أجهزة الطرد المركزي". لذلك، فإنها تحاول دفع العمل الديبلوماسي الدولي ليصير مضيق هرمز بؤرة توافقٍ إقليمي يضمنه المجتمع الدولي.

أما في واشنطن فتنفتح جبهة أخرى، تبدو أقل صخباً! فالخلاف داخل الإدارة حول استمرار الحرب ليس، في جوهره، بين دعاة حرب ودعاة سلام!

ثمة من يريد إدامة خنق إيران -عسكرياً ومالياً- حتى تُسلِّم كل أوراقها! وثمة من يخشون أن يتحول الضغط، إذا طال، إلى مستنقعٍ تصفق له إسرائيل، وتغرق فيه أميركا!

أبلغ ترامب مساعديه، أنه يريد التفاوض وتجنّب "حربٍ أبدية"! ويجسّد فانس هذا التردد على نحو دال: فالرجل معروف بنزعته الانكفائية إلى حدّ أن ترامب نفسه وصفه بأنه "أقل حماسةً لضرب إيران". أما روبيو فقد صار لسان هذا القلق المنظَّم؛ وهو يكرر أن العملية ينبغي أن تُقاس بأسابيعٍ لا بأشهر، ويمكن بلوغ أهدافها من دون قواتٍ برية.

أما البنتاغون فيعمل جاهداً على تضييق أهداف الحرب! لا يقتصر تردده على الجانب السياسي، بل يمتدّ إلى الحساب المهني البارد: استنزاف الذخائر الدقيقة، واتساع الانتشار، والخشية من أن تقود أي خطوة على الأرض إلى نسخةٍ جديدة كريهة ومألوفة تذكر برائحة الحرب على العراق وأفغانستان.

وفي السياسة، كما في البحر، لا تقاس العاصفة بارتفاع الموج، بل بقوة التيار الذي قد يدفع السفينة إلى حيث لا تريد. فهل تبتلع عاصفة الحرب كل أطرافها قبل أن تهدأ؟