حروب إسرائيل المتعدّدة وضمنها في لبنان

كتاب النهار 27-03-2026 | 05:48

حروب إسرائيل المتعدّدة وضمنها في لبنان

إسرائيل تشتغل في اتجاهين في لبنان، باعتباره جزءاً من الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد لبنان، كما باعتباره بحدّ ذاته يشكّل تحدياً لإسرائيل؛ وهذه هي معضلة لبنان، في هذه الحرب، وقبلها وبعدها.
حروب إسرائيل المتعدّدة وضمنها في لبنان
تعزيزات إسرائيلية وذخائر على الحدوج مع لبنان تزامناً مع العملية البرية في الجنوب (أ ف ب).
Smaller Bigger

لا تتعاطى إسرائيل مع الحرب التي تشنها ضد لبنان باعتبارها جزءاً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، فقط، فهي إضافة إلى ذلك تعتبرها بمثابة حرب خاصة بها، لاعتبارات وجودها وأمنها ورؤيتها لذاتها، وتبعاً لتاريخ العلاقة المتوترة، أو الحربية، بين لبنان وإسرائيل، سواء في حقبة الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، أو في حقبة صعود "حزب الله" وهيمنته على قرار الحرب والسلم في لبنان.

وفي الواقع, فإن إسرائيل ترى أن المعطيات الدولية والإقليمية والعربية الراهنة، والتي نجمت عن عملية "طوفان الأقصى"، بمثابة الفرصة السانحة لها، والتي يجب أن تقتنصها، ليس لتعزيز أمنها واستعادة صورتها كدولة رادعة، فقط، بل ولإعادة تموضعها، كالطرف المهيمن في المشرق العربي، وربما في عموم الشرق الأوسط، بعدما ظلّت إيران لعقدين من الزمن (2003ـ 2023)، تتحداها وتنافسها على تلك المكانة.

 

ثلاث مسائل للملاحظة

يمكن أن نلاحظ هنا، على خلفية الحرب المشتعلة، ثلاث مسائل: الأولى أن إسرائيل، وهي تخوض حرباً متعددة الأطراف، لا تربط تماماً بين مسارات الحرب ضد هذا الطرف أو ذاك، إذ لديها لكلّ طرف أجندة، أو استهدافات خاصة، ما يعني أن وقف الحرب الأميركية، بأي شكل من الأشكال، ضد إيران، لا يعني وقف الأجندة الإسرائيلية إزاء لبنان، وضمنها التخلص من القدرات العسكرية لـ"حزب الله"، وفرض منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، ومنطقة آمنة، خالية من السلاح، إلى حدود نهر الليطاني، مع مستتبعات كل ذلك على الصعيد السياسي، بين لبنان وإسرائيل، علماً بأن هذه الأجندة هي ذاتها التي تشتغل عليها إسرائيل إزاء سوريا.

المسألة الثانية أن إسرائيل هي التي تخوض حرباً متعدّدة الأطراف، كأنّها في ذلك استعارت، أو ترجمت بالنار، شعار "وحدة الساحات"، الذي كانت أشهرته أطراف محور "المقاومة والممانعة"، في محاولة منها لتأكيد مكانتها كقوة عظمى رادعة، وكالمالك الحصري لقرار الحرب والسلام في المنطقة.

أما المسألة الثالثة فتفيد بأن إسرائيل تحاول أن تستثمر الظروف الراهنة إلى أقصى حد، وضمن ذلك سياسات إيران المتهورة، ليس فقط لجرّ الولايات المتحدة إلى حرب مباشرة ضدّها، لتقويض قدراتها النووية والصاروخية وتقويض أذرعها الميليشياوية المنتشرة في أكثر من بلد، وإضعاف قدراتها العسكرية والاقتصادية، وصولاً ربما للتخلص من النظام السائد فيها، وإنما هي تسعى، أيضاً، باعتبارها المستفيد الأساسي من تلك الحرب، بالتعاون مع الولايات المتحدة، لجذب أوسع مشاركة دولية وإقليمية وعربية في تلك الحرب، أي إن إسرائيل الصغيرة تستخدم جيوش غيرها لتنفيذ ما تريده، وفقاً لمصالحها وأولوياتها.

 

طوفان الأقصى محطة مفصلية

منذ الغزو الأميركي للعراق (2003) وتسليمه لإيران، عبر ميليشياتها الطائفية المسلّحة، بدت إيران كأكثر طرف فاعل في المشرق العربي (واليمن)، لعقدين من الزمن، إلى حين عملية "طوفان الأقصى" (2023)، علماً بأن ذلك الوضع أتى وفق معادلة الاستثمار الأميركي والإسرائيلي في السياسات الإيرانية، أي فترة السماح، التي أفضت إلى تصديع بنى الدولة والمجتمع في بلدان المشرق العربي، بخلق ميليشيات مسلّحة هي بمثابة دول داخل الدول، وبإثارة النعرة الطائفية التي قسّمت مجتمعات تلك البلدان.

وفي الواقع، فإن إسرائيل ظلت تنظر بعين الحذر، أيضاً، إلى تلك المعادلة، خصوصاً أن إيران ظلت منذ البداية تحاول الخروج من ذلك السقف المحدّد، أو المقيّد لها، بسعيها إلى تعظيم قدراتها وقواها العسكرية، النووية والصاروخية والميليشياوية، وهو الأمر الذي استنفد أغراضه بعد كل التحولات التي حصلت في المشرق العربي، وبعد عملية "الطوفان"، التي أنهت فترة السماح أو الاستثمار.

هكذا، بات في مقدمة الشروط المطلوبة من إيران لوقف الحرب حرمانها من القدرة على إنتاج طاقة نووية، وحرمانها من ترسانتها من الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعمها لأذرعها الميليشياوية، خصوصاً "حزب الله" في لبنان.

الآن، تحاول إسرائيل، في سباق مع زمن الحرب، سواء استمرت أم توقّفت، بأي شكل كان، فرض وقائع في الميدان في لبنان، عبر الاستمرار في تدمير البنى التحتية لـ"حزب الله"، سواء في شقها العسكري أو المالي أو السياسي، وخلق مشكلات كبيرة لما تعتبره البيئة الحاضنة لـ"حزب الله"، من خلال تدمير عمران جنوبي لبنان، والضاحية الجنوبية لبيروت، ومن خلال تفكيك هذه البيئة، وضمان عدم تكتّلها، ويشمل ذلك التوغّل في الأراضي اللبنانية، بما يصل ربما إلى حدود الليطاني، لفرض منطقتي العزل كمجال حيوي آمن، لا يتيح أي عودة لـ"حزب الله".

إسرائيل إذن تشتغل في اتجاهين في لبنان، باعتباره جزءاً من الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد لبنان، كما باعتباره بحدّ ذاته تحدياً لإسرائيل، وهذه هي معضلة لبنان، في هذه الحرب، وقبلها وبعدها.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ايران 3/26/2026 2:49:00 PM
ألمح ترامب إلى تلقي "هدية كبيرة" من إيران دون الكشف عن تفاصيلها، مكتفياً بالقول إنّها ترتبط بالنفط والغاز ومضيق هرمز.
جزيرة متروكة لمصيرها قد تقدّم طوق نجاة لإيران.
لبنان 3/25/2026 10:18:00 PM
مخابرات الجيش اللبناني تطوّق مبنى في أنطلياس بعد معلومات عن وجود مسؤول إيراني… وترحيله من المنطقة
فن ومشاهير 3/23/2026 10:48:00 AM
ابنه يستعد للزواج من الفنانة يارا السكري زميلته في بطولة مسلسل "علي كلاي".