تداعيات اغتيال المرشد الايراني الأعلى

كتاب النهار 01-03-2026 | 11:31

تداعيات اغتيال المرشد الايراني الأعلى

اغتيال المرشد الاعلى، عملية معقّدة ليس في جانبها التقني بالطبع، لكن بنتائجها الدينية، أكثر منها السياسية
تداعيات اغتيال المرشد الايراني الأعلى
حشود تتلقّى نبأ اغتيال خامنئي في طهران (أ ف ب).
Smaller Bigger

ليس المرشد الأعلى لما يُسمّى "الثورة الاسلامية في إيران" مجرد رئيس للرؤساء يحكم بقوة الدين، ويتحكم بمفاصل الحياة في الجمهورية الاسلامية الايرانية، ويؤثر عميقاً في البلدان التي يوجد فيها مسلمون شيعة، بل إنه، وفق نظرية "ولاية الفقيه" التي أحياها مطلقًا الثورة الإسلامية الإمام الخميني عام 1979، دخل إلى صلب النظام السياسي، فلم يعد مرجعًا دينيًا فحسب، ولا مرجعًا سياسيًا فقط، بل جمع بين المرجعية الدينية العقائدية والنفوذ السياسي، ليتحوّل المرشد إلى أحد أهم مواقع القيادة الدينية–السياسية في العالم، وخصوصًا في العالم الإسلامي.

 

فالمرشد هو القائد الأعلى للدولة، والمرجع النهائي في السياسات الكبرى، وصاحب الكلمة الفصل في القضايا الاستراتيجية، إضافةً إلى مرجعيته الدينية التي نافست المرجعيات الشيعية الأخرى وحدّت من نفوذها، خصوصًا المرجعيات العراقية في النجف، وأبرزها السيد علي السيستاني، علماً أن الأخير يعود إلى أصول إيرانية. لكن التنافس تمحور حول مكان المرجعية: أفي النجف أم في طهران، حيث حقّقت الثانية تقدّمًا ملموسًا بسبب القدرات السياسية والعسكرية والمالية التي حكمت، بل تحكّمت بالعالم الشيعي.

تمكنت طهران – الثورة الإسلامية – من التنافس الشديد مع النجف لأسباب عدة، أبرزها دعم إيران لحركات شيعية سياسية وعسكرية في لبنان وسوريا والعراق واليمن، إضافةً إلى امتلاكها خطابًا عابراً للحدود يقوم على الوقوف مع المحرومين وحماية المستضعفين، وربط الهوية الشيعية بالمواجهة مع الهيمنة الغربية والإسرائيلية.

 

وقد توسّع، أو تمكّن، نفوذ المرشد في السياسة العابرة للحدود مع توسع دور "الحرس الثوري" داخل البلاد وخارجها، لتصبح إيران ذات ثقل في تحديد السياسات الإقليمية، وفي رسم خطوط التفاوض في الملفات النووية والدولية، وفي أمن الطاقة العالمي، بعدما رعت "حركات تحرّر"، ودعمت "حركات إرهاب"، وتدخلت في شؤون الدول، وصولًا إلى أميركا اللاتينية.

 

إذاً، تكمن أهمية موقع المرشد الأعلى في أنه يجمع ثلاث سلطات نادرًا ما تجتمع في شخصية واحدة: الشرعية الدينية، والقيادة السياسية، والنفوذ الإقليمي، وهذا ما جعله لاعبًا أساسيًا في معادلات الشرق الأوسط، وبالتالي محطّ الأنظار.

واغتيال المرشد الأعلى عملية معقدة، ليس في جانبها التقني بالطبع، بل في نتائجها الدينية أكثر من السياسية، لأن النظام، سواء استمر بشكل أو بآخر أو سقط بالضربة القاضية، فإن التغيير سيحط في إيران، ولن يكون المستقبل إلا منفصلًا عن الماضي الذي حكم منذ عودة الخميني في العام 1979. فقد حان وقت التغيير في مناطق ودول أخرى، وليس من الضروري أن يكون إلى الأفضل، لكنه بات حتميًا.

أما اغتيال المرشد، بما يمثّله من مرجعية، فيعتبر أول عمل من نوعه يستهدف بشكل مباشر شخصية بهذا الحجم، وتمثل نسبة كبيرة من المسلمين الشيعة في العالم. إذ غالبًا ما تُستهدف المرجعيات بطريقة خفية، بالتسميم أو بعملية اغتيال يتم فيها تجهيل الفاعل.

وفق المادة الخامسة من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، "في زمن غيبة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع، الكفوء والمدبّر"، وذلك وفقًا لما تنص عليه المادة المئة والسابعة (107) من هذا الدستور.

ما حدث وما يحدث اليوم جريمة واضحة تزيد العداء الشيعي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتكرس التباعد مع العالمين الغربي والعربي، خصوصًا بعد ردود الفعل الإيرانية على دول الخليج، كما أن للاغتيال عواقب وتداعيات سياسية ستزيد من محاصرة وعزلة طائفة بأكملها، وستبدّل المعادلات السياسية والأمنية، بما ينعكس على مجمل الملفات والأوضاع في المنطقة والعالم.

ويبرز التحوّل الكبير، إذا استمرت الحرب وطال أمدها بعد القضاء على المرشد، في بدء تغيير خرائط وأنظمة تشمل عدة دول في المنطقة، للمضي نحو شرق أوسط جديد، وهو مشروع قديم يتجدد، ربما تجد الولايات المتحدة وإسرائيل أن الوقت بات مناسبًا لتحقيقه بعد سقوط أنظمة وإسقاط أخرى.


الأكثر قراءة

آراء 2/26/2026 7:26:00 PM
التشكيك في نيات الإمارات حيال أمن المنطقة والسعودية تحديداً واستقرارها، عبث ويتجاهل حقائق ووقائع دامغة في التاريخ القريب.
تكنولوجيا 2/28/2026 3:05:00 AM
ثاني عملية استدعاء للعلامة التجارية خلال أقل من شهر...
ايران 2/28/2026 1:37:00 PM
مبانٍ منهارة داخل المجمع، الذي يُستخدم عادةً مقرًا لإقامة المرشد ومكانًا لاستقبال كبار المسؤولين