.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في ذكراك، سيّدي الإمام، تأسرنا الذكرى. نبحر في زرقة عينيك، ونلوذ بفيء العباءة وظلّ العمامة، ونستريح في مملكة عشقك، فتزداد حضورًا في حضرة الغياب.
لكأنّك الآن بيننا، تحطّم قضبان الزنزانة وجدران المسافات، وتعود إلينا صارخًا في برّيّتنا:
"هذا لبنان أمانة الله بأيديكم، صورة العالم الكبير في الوطن الصغير، فلا تفرّطوا به".
ونحن، إذ نسمع وصاياك، نحمي الوطن بأهداب العيون. أوَليس لبنان، بأبعاده ورسالته، وديعتك فينا؟ أوَليس هو مدى جهادك وسهرك وتعب السنين، وأنت تجوبه من أقصاه إلى أقصاه، تخاطب المسجد والكنيسة على هذه الأرض التي تعكس السماء، على حدّ وصفك؟
أيّها المغروس فينا كنسغ الأرواح، كم نحن في حاجة إليك، إلى صوتك الدافئ في مسجد العامليّة يوم اعتصمت نبذًا للحرب واقتتال أبناء العائلة اللبنانية، وإلى صوتك في كنيسة الكبوشيّين، حين وقفت في زمن التفرقة لتقول: "اجتمعنا من أجل الإنسان".
يا قامة الضوء، يا سرَّنا وسُرانا، اجتمعنا على حبّك والإخلاص لك، لنبني الوطن الذي دفعت من أجله حرّيتك، أغلى ما تملك.
يا أجمل صور لبنان… لن يكون لبنان الذي أردتَه إلا وطن الرسالة، قويًّا في وجه الشرّ المطلق، إسرائيل، رحيمًا بين أبنائه، يحمل رسالة هذا الشرق في العيش الواحد، ويعبّر عن غنى الحضارتين، المسيحية والإسلام، وبينهما الإنسان. تلك هي أقانيم لبنان الذي ناضلت من أجله.
اجتاز الإمام الصدر مبكرا الأسلاك الشائكة التي كانت تمنع التواصل، وقطع المسافات الطويلة في الطريق والطريقة، رافضًا ظلمة الانكفاء والانغلاق خلف الأبواب الموصدة، وداعيًا إلى الانفتاح والحوار مع الآخر، بوصفه شريكًا في الوطن، وفي الأفراح والأتراح.
وفي مطلع 1963، شارك في التعزية برحيل البابا يوحنّا الثالث والعشرين في كنيسة الموارنة في صور، بكلمة تجاوز صداها المدينة إلى أرجاء لبنان، حتى وصل كلام الإمام الصدر إلى أروقة الفاتيكان، فدُعي بعد أشهر معدودة إلى حضور احتفال تتويج البابا بولس السادس.
وهكذا مضى محاورًا في جوهر الأديان، مرتكزًا على قواعد تجمع ولا تفرّق، وتوحّد ولا تبدّد. وتحدّث عن رسالة البابا الراحل، رسالة السلام على الأرض، شارحًا معانيها النبيلة ومؤيّدًا مضامينها الإنسانية.
وفي الندوة اللبنانية التي أسّسها السيد ميشال أسمر، وحاضر على منبرها العديد من المفكّرين اللبنانيين والعالميين، وجدت لغة الحوار والتعرّف إلى الآخر مساحة رحبة للتعبير عن نفسها.