قاسم "يختزن غضبه" وحيداً ولا غطاء من بري
دعا الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، في خطابه الأخير، عناصر الحزب إلى "اختزان الغضب" وعدم الانجرار إلى ردود فعل في الشارع، في موقف يحمل تناقضاً واضحاً يعكس غياب الرؤية الواضحة حيال المرحلة المقبلة.
فالأمين العام يحمل في كلامه دعوة إلى تهدئة ظاهرة، معطوفة على تحذير مبطن، رأت فيه أوساط سياسية تهديداً مباشراً للدولة من جهة وللقوى المعترضة على سياسة الحزب من جهة أخرى، ما يعزز ذريعتها بأن سلاح الحرب بات موجهاً إلى الداخل بإعلان صريح من قائده، الذي نزع عنه صفة "السلاح المقاوم" حصراً ليحوله إلى سلاح متعدد الأهداف والاستعمالات.
استخدم قاسم مصطلح "اختزان الغضب"، وهو ليس جديداً في قاموسه، بل يعكس دعوة إلى ضبط النفس الآن مقابل الوعد بالرد لاحقاً في "الوقت والمكان المناسبين". وجاء الخطاب في سياق انتقاد الحكومة وقراراتها المتعلقة بملف السلاح والجنوب، والتحذير من أن تجاهل "المقاومة" سيؤدي إلى انفجار، نازعاً عن "الاختزان" صفة الغضب، لكنه في الواقع يحمل رسالة داخلية لجمهوره الغاضب مفادها رفض أي تحرك أو تنفيس للغضب بعشوائية لئلا يخسر الحزب ورقة الضغط، وهي نفسها الورقة التي يسعى قاسم إلى استعمالها في وجه الدولة، ليؤكد أن الصمت وضبط الشارع ليسا ضعفاً.
يعتقد قاسم أنه بهذه النبرة العالية يهدد الدولة ويضغط عليها لتعيد النظر في سياستها وقراراتها المتصلة ببنود التفاوض مع إسرائيل، لكنه يحمل أيضاً دعوة إلى التهدئة تعكس عدم رغبته في خوض أيّ مواجهة داخلية في هذه المرحلة. وهو بذلك يفضّل إبقاء المعركة على طاولة السياسة والمفاوضات مع إسرائيل، لا في الداخل اللبناني.
وهذا يعني في رأي مصادر سياسية أن التهديد ليس انقلابياً على الدولة، بل هو تهديد بـ"تعطيل" أو "تصعيد" أمام أي تجاوز له في التسويات المحتملة في الجنوب، وعلى موضوع السلاح، والإعمار.
مواقف "معلبة"
تستبعد المصادر أن يكون كلام قاسم منسقاً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، أو أن يكون الأخير موافقاً عليه، كاشفة أن غالبية مواقف قاسم تأتي "معلبة" بتنسيق واضح ومباشر مع طهران، لا تطلع عليه قيادات وكوادر عدة في الحزب إلا عند صدوره. أما بالنسبة إلى بري، وبالرغم من أن موقفه غالباً ما كان تقليدياً الجسر بين الحزب والدولة، وحتى في التفاوض مع الخارج، بصفته "الأخ الأكبر"، فهو لا يتبنى لغة "الغضب المختزن" حرفياً، وإن كان يفهم وظيفتها.
اضطلع بري بصفته أحد أركان الثنائي الشيعي ورئيساً للمجلس، دور الوسيط في نقل رسائل الحزب إلى الحكومة والمجتمع الدولي بصيغة "مقبولة" سياسياً، ودور الـضامن ألا يتحول الغضب إلى فوضى في الشارع الشيعي الذي يمثل قاعدته الانتخابية. وغالباً ما أدى دور الإطفائي لاحتواء الغضب والشارع والفتنة. وفي كل الأزمات السابقة كان هو من يسحب فتيل الشارع ويعيده إلى طاولة الحوار.
من هنا، ترى الأوساط ان خطاب قاسم يمثل الحزب حصراً ولا يمثل بري، ولا يمكن تحميله تبعاته انطلاقاً من لبسه ثوب الثنائية التي تظهر المواقف الأخيرة لرئيس "أمل" على أنه بات على مسافة منها.
ورقة ضغط
لا يمكن وضع خطاب "اختزان الغضب" في سياق إعلان حرب على الدولة، بل هو ورقة ضغط يريد الحزب أن يجدد تأكيد استمرار قدرته على التحكم فيها عبر الشارع، بعدما فقد قدرته على مواجهة إسرائيل ورغبته في أن يحفظ مقعده في أي تسوية آتية.
أما بري، فموقعه يجعله المظلة التي تمنع سقوط الورقة على رأس الجميع. يغض الطرف عن المضمون السياسي للخطاب لكنه لا يغطيه أو يغطي أي خروج عن الدولة. وهذه المعادلة هي التي أبقت البلاد، رغم كل شيء، خارج الانفجار الداخلي حتى الآن.
نبض