البطريرك الياس الحويّك... الدولة قبل الكيان

مقالات 24-07-2026 | 04:56
البطريرك الياس الحويّك... الدولة قبل الكيان
يمكنُ النظرُ إلى إرثِ الحويّك بوصفِه أحدَ المرتكزاتِ الفكريّةِ المبكّرةِ لِمَا سيُعرَفُ لاحقًا في التجربةِ اللبنانيّةِ بالصيغةِ الميثاقيّة
البطريرك الياس الحويّك... الدولة قبل الكيان
البطريرك الياس الحويك. (أرشيف)
Smaller Bigger

القاضي عبّاس الحلبي

في مناسبة تطويب البطريرك الياس الحويك، تستدعي الذاكرة الوطنيّة التوقّف عند إحدى الشخصيّات التي طبعت تاريخ لبنان الحديث، لا لأنّها ارتبطت بقيام لبنان الكبير فحسب، بل لأنّها أسهمت في بلورة رؤية للدولة سبقت قيام الكيان نفسه. فالحويّك لم يترك إرثًا سياسيًّا يخصّ مرحلة تاريخيّة انقضت، بل فكرًا تأسيسيًّا لا يزال حاضرًا في كل نقاش يتناول معنى الدولة، والسيادة، والميثاقيّة، والعيش المشترك. ومن هنا، تبدو العودة إلى هذا الإرث اليوم أكثر من مجرّد استذكار؛ إنها محاولة لقراءة الحاضر في ضوء أحد الآباء المؤسّسين للبنان.

1- الحويّك وفكرة الدولة: الأُسس الفكريّة للبنان الكبير
في تاريخِ الأُمَمِ شخصيّاتٌ تصنَعُ الأحداث، وشخصيّاتٌ تَصنَعُ الأفكارَ التي تُنتِجُ الأحداث. وإذا كانَ إعلانُ دولة لبنان الكبير في الأوّلِ من أيلولَ سنة 1920، يُمَثِّلُ حَدَثًا مفصليًّا في تاريخِ لبنانَ المعاصر، فإنَّ البطريرك الياس الحويّك كانَ من أولئكَ الذينَ أسهموا في صياغةِ الفكرةِ التي أفضَت إلى ذلكَ الحَدَث، ثُمَّ استمرَّت آثارُها في تكوينِ الدولةِ ومؤسّساتِها وفي ثقافَتِها السياسيّة.

ولعلَّ أهمَّ ما يُميِّزُ تجربةَ البطريركِ الحويّك أنَّها لم تقتصرْ على المطالبةِ بقيامِ كيانٍ سياسيٍّ مستقلّ، بل اقترنت برؤيةٍ متكاملةٍ لمفهومِ الدولةِ ووظيفتِها ورسالتِها. فقد أدركَ الرجلُ، في مرحلةٍ كانتِ المنطقةُ تعيدُ فيها تشكيلَ خرائطِها السياسيّةِ بعدَ الحربِ العالميّةِ الأولى وانهيارِ السلطنةِ العثمانيّة، أنّ نجاحَ أيِّ مشروعٍ سياسيٍّ لا يتوقّفُ عند حدودِ الاعترافِ الدوليِّ به، بل يرتبطُ بقدرتِه على بناءِ شرعيّةٍ داخليّةٍ قائمةٍ على قبولِ الجماعاتِ المكوِّنةِ له، وعلى شعورِها بأنّها شريكةٌ في الوطنِ والدولةِ والمستقبل.

وفي هذا السياق، يمكنُ النظرُ إلى إرثِ الحويّك بوصفِه أحدَ المرتكزاتِ الفكريّةِ المبكّرةِ لِمَا سيُعرَفُ لاحقًا في التجربةِ اللبنانيّةِ بالصيغةِ الميثاقيّة. فالميثاقيّةُ، قبل أن تكونَ قاعدةً لتوزيعِ السلطةِ أو لتنظيمِ المشاركةِ السياسيّة، هي فلسفةٌ في الاجتماعِ الوطنيّ تقومُ على الاعترافِ المتبادلِ، ورفضِ الإلغاءِ، واعتبارِ التنوّعِ عنصرًا تأسيسيًّا في الكيانِ اللبنانيّ، لا مجرّدَ واقعٍ عابرٍ يمكنُ تجاوُزُه أو تهميشُه.

ولَئِنْ كانَ الميثاقُ الوطنيُّ سنةَ 1943 قد شكَّل التعبيرَ السياسيَّ الأبرزَ عن هذه الفلسفة، فإنّ جذورَها تعودُ إلى مسارٍ تاريخيٍّ طويلٍ أسهمَ الحويّك في ترسيخِ بعضِ أهمِّ معالمِه. ففكرةُ لبنانَ التي دافعَ عنها لم تُبنَ على مفهومِ الانعزالِ أو الانكفاءِ، وإنّما على إقامةِ فضاءٍ وطنيٍّ جامعٍ يستطيعُ أن يستوعبَ تعدّدَ الانتماءاتِ الثقافيّةِ والدينيّةِ ضمن إطارِ وحدةٍ سياسيّةٍ وسياديّةٍ واحدة.

وإذا كانتِ الميثاقيّةُ قد شكّلت أحدَ أبرزِ المرتكزاتِ التي قامت عليها التجربةُ اللبنانيّة، فإنّ أهمّيّتَها لا تنبعُ فقط من دورِها في إدارةِ التنوّع، بل أيضًا من قدرتِها على إنتاجِ شعورٍ جماعيٍّ بالانتماءِ إلى الدولة. فالدولةُ الحديثةُ لا تقومُ على الإكراهِ أو على مجرّدِ انتظامِ السلطة، بل على اقتناعِ المواطنينَ بأنّ المؤسّساتِ تعبّرُ عنهم وتحفظُ مصالحَهم وتصونُ حقوقَهم. وعندما يضعفُ هذا الشعورُ، تتراجعُ الثقةُ العامّةُ وتبرزُ الولاءاتُ الجزئيّةُ على حسابِ الولاءِ الوطنيِّ الجامع.

ولذلك، فإنَّ التجربةَ اللبنانيّةَ، بما تختزنُه من عناصرِ تنوّعٍ وتَعدُّد، تُقَدِّمُ نموذجًا خاصًّا في الفكرِ الدستوريّ المقارَن. فهي تُظهرُ أنَّ الوحدةَ الوطنيّةَ لا تُبنى بالتماثلِ الكاملِ بينَ الجماعات، بل بالاتّفاقِ على قواعدِ العيشِ المشتركِ وعلى مرجعيّةِ الدولةِ ومؤسّساتِها. ومن هذا المنطلق، تبدو الميثاقيّةُ اللبنانيّةُ محاولةً دائمةً للتوفيقِ بينَ الخصوصيّاتِ المختلفةِ وبينَ مقتضياتِ الانتماءِ إلى وطنٍ واحدٍ ومصيرٍ مشترك.

ولعلَّ هذا ما يفسّرُ استمرارَ حضورِ الفكرِ التأسيسيِّ للحويّك في النقاشِ الوطنيِّ حتّى يومِنا هذا. فالرجلُ لم يكنْ مَعْنِيًّا بإقامةِ كيانٍ سياسيٍّ فحسب، بل كانَ معنيًّا بتأمينِ شروطِ استمراريّتِه وتماسكِه. وقد أدركَ باكرًا أنّ الجغرافيا وحدَها لا تصنعُ وطنًا، وأنّ الحدودَ مهما بلغت أهمّيّتُها تبقى بحاجةٍ إلى عقدٍ اجتماعيٍّ يربطُ بينَ المواطنينَ ويجعلُهم شركاءَ في المسؤوليّةِ وفي المستقبل.

2- الميثاقيّة ودولة القانون: أساس العيش المشترك
إنّ قراءةَ دورِ البطريركِ الحويّك في ضوءِ تطوّرِ النظامِ الدستوريِّ اللبنانيّ تفرضُ التوقّفَ عند العلاقةِ بينَ فكرةِ الكيانِ وفكرةِ الدستور. فالدستورُ ليس مجرّدَ نصٍّ قانونيٍّ، بل هو التعبيرُ عن التوافقِ الوطنيِّ حول طبيعةِ الدولةِ وقيمِها، وترجمةُ هذه الإرادةِ إلى مؤسّساتٍ تضمنُ الاستقرارَ والعدالةَ والمشاركة.