فخامةُ نقولا دانيال

13 نوار 2019 | 22:00

المصدر: "النهار"

نقولا دانيال في "إنتي مين".

لولا الخوف من الاستعجال، لكان الحسم: نقولا دانيال من الأعمق أداءً في #رمضان. هو من جيل تراكُم الخبرات البديعة، فلا تلعثُم أمام الكاميرا ولا "شوفة حال". بل على العكس، انطلاقٌ وانسيابٌ وانعزالٌ تام عن سذاجة الأضواء وغرورها ومظاهرها. بفخامة، يؤدي دور الأب المُعذَّب لـ #كارين_رزق_الله.

لدانيال مسيرة طيّبة مع رزق الله منذ "قلبي دق"، لكنّه في دور الأب الثمل، مسألة مغايرة. "حاجة تانية". في "إنتي مين" ("أم تي في") لمعةٌ مختلفة عما يسود المشهد الرمضاني. نخشى الانطباعات المتسرّعة وما تتركه من ندم، لكنّها الحقيقة. أسبوع على احتدام المعارك، ويبدو أنّ كارين رزق الله حتى الآن متقدّمة. نعود إلى المسلسل لاحقاً. دعونا في الرجل. يُمسك نقولا دانيال مَشاهده من دون منّة أحد. قبضته حازمة ورؤيته لا تخيب. إنّنا هنا أمام نموذج مسحوق من جيل الحرب الأهلية. ذاكرة مُصابة برصاص. صورٌ مثقوبة. أزمنة مختلطة، وماضٍ يتداخل بالحاضر. نحن أمام استحالة النسيان، وتلك الأصوات المخيفة، واللحظات بحجم عُمر. دانيال في المسلسل استعادة للقسوة كلّها والإخفاق كلّه والأثمان الإنسانية الباهظة. مُحطّم، يسير كخيالات. أضاع الطريق والعنوان. لم تبقَ له سوى كؤوس من العرق، وابنة حزينة ووجع.

رائع الرجل. ممثل، فيما كثر يحومون حول المهنة، من دون بلوغ عمقها. تكتب له رزق الله دوراً من قماشة أنيقة. كأنّه رجالٌ كثر في هيئة واحدة، كاختزال ربما لجيل مُهشَّم، وتحية له، والبعض القليل من ردّ الاعتبار بعدما فات الأوان وعمّت الخسارة. دانيال في الدور رثّ الروح والجسد. خارجه مرآة لداخله. مُشرذم، يهذي. لا تزال الأصوات تسكنه. عذابات السجن وأسطورة البطل. يسمع خُطى الأقدام نحوه، وتلمسه الظلمات، وتقضمه البرودة. كأنّه في الصندوق. في النقطة الصفر. في الأسر والماضي والأقبية. يعاند استحالة الخروج وهشاشة نسائم الحرية. وكلّما حاول التقدّم خطوة، تراجع خطوات، فهو في الأصل لا يتقدّم إلا بمرور الأيام، بعدما غادره الوقت والجدوى. كلّما شاء النسيان، توغّل في التذكُّر وانقبض. تغدو اليد هنا عاجزة عن كفّ الأصوات إن رُفعَت إلى الأذن في محاولة لردّ الضجيج عنها. ليس إغماض العين ما يحجب الصور ويمحو أثرها. الأمور في العميق جداً، حيث الضعف الإنساني وعذابات الجبهة. الهذيان سيد الموقف، لئيم كالتفاصيل وهي تترسّخ، والأشخاص أنفسهم وهم لا يرحلون على رغم أحقادهم وبشاعتهم. عمق العبرة والأداء في شخصه، يدوزنهما فلا يبالغ. خلفه قطبة مخفيّة وحقائق مُصادَرة تدور حولها القصّة. أمثاله يحمون الأعمال من الرتابة والإخفاق ويرفعون شأنها. دوره الآخر في "الكاتب" ("أل بي سي آي") نقيض التيه. يؤدّيه برصانة المرء المُنضبط ونضج محطّات كثيرة. متمكّن في أي حال. أستاذ.

اقرأ للكاتبة أيضاً: خديعة الرومانسية: المسلسلات تكذب الكذبة وتُصدّقها!

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard