الأباتي بولس نعمان: الإنسان، الوطن، الحرية

ARC 12-09-2026 | 10:41

الأباتي بولس نعمان: الإنسان، الوطن، الحرية

الأباتي بولس نعمان... رجلٌ عاش بين الصلاة والتاريخ، بين الدير والوطن، وبين البحث في جذور الهوية والانخراط في أسئلة لبنان ومصيره.
الأباتي بولس نعمان: الإنسان، الوطن، الحرية
الأباتي بولس نعمان.
Smaller Bigger

الخوري ريمون أبي تامر


يرحل الإنسان، وتبقى الأسئلة التي عاش من أجلها. وربما لهذا يكون رحيل بعض الرجال أكبر من خبر وفاة؛ لأنه لا يطوي سيرة إنسان فحسب، فهو يوقظ في ذاكرة الوطن مرحلةً كاملة من تاريخه، ويعيد إلى الحاضر أسئلةً ظننا أنها أصبحت من الماضي.

 

هكذا يأتي رحيل الأباتي بولس نعمان. رجلٌ عاش بين الصلاة والتاريخ، بين الدير والوطن، وبين البحث في جذور الهوية والانخراط في أسئلة لبنان ومصيره. وحين اختار لكتابه الأخير عنواناً هو "لبنان الموارنة إلى أين؟"، كان يترك خلفه سؤالاً يتجاوز عنوان الكتاب نفسه: إلى أين يمضي وطنٌ حمل في تاريخه محورية الحرية،  وكيف يحافظ عليها اليوم؟

ربما تختصر مسيرته ثلاث كلمات: الإنسان، الوطن، الحرية. والتي هي عنوان مذكراته. 

الإنسان

كان بولس نعمان راهباً، لكن رهبانيته لم تكن انسحاباً من الإنسان ولا ابتعاداً عن قضايا المجتمع. كان يرى في الإنسان كرامةً ومسؤولية وذاكرة، وفي الإيمان دعوة إلى خدمة الإنسان في واقعه التاريخي، لا إلى الهروب منه.

ومن هنا جاء اهتمامه بالتاريخ. فدراسة الموارنة عنده لم تكن مجرد بحث في الماضي، إنما وسيلة لفهم الإنسان الذي حمل هذه الذاكرة، وكيف تشكلت هويته، وكيف استطاع أن يعيش في هذا المشرق وأن يحافظ على إيمانه وحريته ووجوده عبر القرون.

كان يعرف أن الإنسان الذي يفقد ذاكرته يفقد جزءاً من قدرته على فهم نفسه، وأن الهوية التي لا تعرف جذورها يمكن أن تتحول إلى خوف من المستقبل.

الوطن

لكن بولس نعمان لم يبقَ في المكتبة. جاءت الحرب اللبنانية لتضع أفكاره أمام امتحان التاريخ.

في تلك السنوات، انخرط في الحياة الوطنية والسياسية من موقعه الكنسي، وكان له حضور في الجبهة اللبنانية، وفي البيئة التي رأت في المقاومة  دفاعاً عن لبنان وعن وجوده وكيانه وحريته. وارتبط اسمه بمرحلة الشهيد الشيخ بشير الجميل، في واحدة من أكثر المراحل حساسية في التاريخ اللبناني الحديث.

ومن هذا الموقع، رأى نعمان أن الدفاع عن لبنان مسؤولية تتصل بالوجود نفسه؛ دفاعاً عن وطن أراده حراً، وعن كيان لبناني رأى أن بقاءه ليس تفصيلاً في صراع المنطقة.

وهذه المرحلة أساسية في سيرته، لأنها تكشف أن الوطن عنده لم يكن فكرةً تاريخية يكتب عنها، وإنما مسؤولية تُعاش وتُدافع عنها وتُورَّث. وحين اختار أن يكون في قلب تلك المرحلة، كان يعبّر عن قناعة بأن لبنان يستحق أن يُدافع عن وجوده وحريته وكيانه، وأن الحفاظ عليه مسؤولية لا تتوقف عند جيل واحد.

لقد انتقل، في لحظة الخطر، من حفظ ذاكرة الوطن إلى الدفاع عن وجوده. ومن دراسة تاريخ الجماعة إلى المشاركة في الدفاع عن الوطن الذي رأى أن هذه الجماعة، وسائر مكوّناته، لا تستطيع أن تحفظ مستقبلها من دونه.

واليوم، بعد رحيله، تكتسب هذه التجربة معنى آخر. فما قام به لم يعد مجرد صفحة من صفحات الماضي،  بل إرثاً يطرح علينا مسؤولية الحاضر: أن نحافظ على لبنان الذي دافع من أجله، وأن نصون حريته وسيادته وكيانه، وأن نحول الذاكرة من حنين إلى مسؤولية، والتاريخ من رواية إلى فعل.

لقد حمل بولس نعمان قضية لبنان في زمن الخطر، وترك لنا واجب حملها في زمن البناء. وبين زمن المقاومة وزمن الدولة، يبقى جوهر الرسالة واحداً: أن يبقى الإنسان حراً، وأن يبقى الوطن حراً، وأن تبقى الحرية قيمةً تستحق أن تُصان وتُورَّث للأجيال.

الحرية

أما الحرية، فكانت الوجه الآخر لهذا الدفاع.

لم يكن الدفاع عن لبنان في نظر جيله مجرد دفاع عن أرض، وإنما دفاع عن حق اللبنانيين في أن يقرروا مصيرهم، وأن يعيشوا في وطن لا يكون ساحةً دائمة لصراعات الآخرين.

ومن هنا يمكن فهم ارتباط الإنسان والوطن والحرية في تجربة بولس نعمان.

فالإنسان يحتاج إلى وطن يحفظ كرامته، والوطن يحتاج إلى حرية تحفظ سيادته، والحرية تحتاج إلى إنسان مستعد لتحمل مسؤوليتها.

 

 

الأباتي بولس نعمان.
الأباتي بولس نعمان.

 

 

لهذا لم تكن الحرية عنده شعاراً منفصلاً عن الواقع. كانت سؤالاً سياسياً وأخلاقياً في آن واحد: كيف يبقى لبنان حراً؟ وكيف يحافظ على كيانه؟ وكيف يمكن لجماعاته أن تحمي خصوصياتها من دون أن يتحول الوطن إلى مجموعة جزر متنازعة؟

ومن هنا أيضاً يصبح اهتمامه بتاريخ الموارنة متصلاً بسؤاله عن لبنان كله. فحين كتب "لبنان الموارنة إلى أين؟"، لم يكن يطرح سؤال جماعة في الفراغ، وإنما سؤال جماعة داخل وطن، وسؤال وطن يعيش بين هوياته وتاريخه ومستقبله.

ولعل قوة السؤال أنه بقي مفتوحاً.

فالأباتي بولس نعمان رحل، لكن لبنان لايزال يواجه الأسئلة نفسها بصيغٍ جديدة: كيف تتحول الذاكرة إلى مواطنة؟ وكيف تتحول الهوية إلى مسؤولية؟ وكيف تصبح الحرية مشروع دولة لا مجرد شعار؟

برحيل بولس نعمان، لا يغيب رجل الله ومؤرخ فحسب؛ تغيب صفحة من جيل عاش لبنان بصفته قضية، لا مجرد بلد.

جيلٌ كان يرى أن الإنسان لا يستطيع أن يكون حراً من دون وطن، وأن الوطن لا يستطيع أن يبقى وطناً من دون حرية، وأن الحرية ليست امتيازاً لجماعة، ولكنها مسؤولية حيال الإنسان والوطن معاً.

وربما لهذا يبدو عنوان كتابه الأخير اليوم أكثر إلحاحاً:

"لبنان الموارنة إلى أين؟".

لقد رحل صاحب السؤال، لكن السؤال بقي.

وبقي معه إرث رجلٍ آمن بأن لبنان ليس قدراً جغرافياً فحسب، لبنان مسؤولية تاريخية. وأن الحفاظ على هذا الوطن لا يكون بحفظ ذاكرته فقط، ولكن بتحويل هذه الذاكرة إلى التزام، وهذه الهوية إلى مسؤولية، وهذه الحرية إلى مشروع دولة.

لعل أفضل تحية للأباتي بولس نعمان اليوم ألا نكتفي باستعادة سيرته، إنما أن نحمل ما آمن به إلى المستقبل: إنساناً مصان الكرامة، ووطناً محفوظ الكيان، وحريةً لا تُفرَّط بها.

يرحل الإنسان، ويبقى الوطن، وتظل الحرية امتحاناً. أما الأسئلة الكبرى، فلا تموت مع أصحابها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 9/11/2026 4:09:00 AM
يعرف الحزب أنه خسر المعركة وإن كان يصر على أن الحرب مازالت قائمة واعداً البيئة الشيعية واللبنانيين بالنصر وتحرير الأرض المحتلة.
كتاب النهار 9/11/2026 4:07:00 AM

لا شك أن ثمة تغيراً وتطوراً حصل في سوريا بعد إسقاط النظام البائد، لكن يبقى السؤال هل الصورة وردية كما طرحها الشيباني في كلمته؟

اقتصاد وأعمال 9/11/2026 9:15:00 AM
ارتفاع ملحوظ بأسعار البنزين والمازوت!
لبنان 9/11/2026 11:14:00 AM
قال الجيش الإسرائيلي إن "نحو 50 مسلحاً قُتلوا خلال عملية تدمير أنفاق في مرتفعات علي الطاهر"، معلناً انسحاب قواته إلى خطوط خلفية مع إبقاء المرتفعات تحت السيطرة عن بُعد.