كانت روز إيلين غوتمولر ترتّب خزانتها بعد ختام مسيرة مهنيّة. بينما كانت توضّب أغراضها، عثرت على رسالة شكر وإشادة من رئيسها، مؤرّخة في 9 كانون الأوّل (ديسمبر) 1994. غوتمولر شغلت حينها منصب مدير شؤون أوراسيا في مجلس الأمن القوميّ خلال عهد الرئيس بيل كلينتون. شكرت الرسالة غوتمولر لتحقيقها إنجازين رئيسيّين: عملها الدؤوب على إزالة جميع الأسلحة النوويّة من أوكرانيا خلال المفاوضات بين كييف وموسكو وواشنطن، وقيادتها جهد التزام بيلاروسيا وكازاخستان وأوكرانيا بمعاهدة حظر الانتشار.
بين الرضا والندم
سردت غوتمولر هذه التفاصيل سنة 2023 وسط الغزو الروسيّ لأوكرانيا والانتقادات التي طالت الولايات المتّحدة بسبب حثّها كييف على توقيع "مذكّرة بودابست للضمانات الأمنيّة" في 5 كانون الأوّل من تلك السنة والتخلّي عن نحو 1900 رأس نوويّ. لكنّها لم تكن نادمة. كتبت أنّ المفاوضات حينها كانت صعبة لكن ودّيّة وأنّ سلسلة الإمرة والتحكّم بالأسلحة النوويّة كانت موجودة في روسيا، كما أنّ امتناع كييف عن تسليم أسلحتها كان ليدخلها حرباً مع روسيا ويمنع أوكرانيا من تلقّي مساعدات غربيّة. باختصار، أمّن "مذكّرة بودابست" فرصة لأوكرانيا كي تتقدّم على مدى عقود وتتمكّن اليوم من مواجهة روسيا، كما كتبت. لكنّ الأوكرانيّين يعتقدون أنّه حتى على المستوى الماليّ، لم يحصلوا على ما يساوي ثمن تخلّيهم عن تلك الأسلحة.
اللافت للنظر أنّ كلينتون لم يكن يشعر بالرضا نفسه عن الذات. في نيسان (أبريل) الماضي، وعبر حديث إلى وسيلة إعلاميّة آيرلنديّة، أعرب عن مرارته لأنّه أجبر أوكرانيا على تسليم أسلحتها النوويّة لروسيا. "أشعر بمسؤولية شخصيّة لأنّني جعلتهم يوافقون على التخلّي عن أسلحتهم النوويّة، ولا أحد منهم (الأوكرانيّين) يعتقد أنّ روسيا كانت لتطلق هذه المجازفة لو كانت أوكرانيا لا تزال تحتفظ بأسلحتها".

بعد شهر تقريباً، ذكر كلينتون كيف أنّه علم سنة 2011 بأنّ بوتين عقد العزم على التحرّك ضدّ أوكرانيا. في منتدى دافوس الذي انعقد تلك السنة، "قال لي بوتين:‘... أعلم أنّ بوريس اتّفق معك ومع (رئيس الحكومة البريطانيّ) جون ميجور والناتو، لكنّه لم يُحله إلى (مجلس) الدوما. لدينا قوميّونا المتطرّفون أيضاً. أنا لا أوافق عليه ولا أدعمه وأنا غير ملتزم به‘".
أضاف كلينتون: "علمتُ منذ ذلك اليوم وصاعداً أنّ الأمر كان مجرّد مسألة وقت" قبل أن تتخلّى روسيا عن التزامها.
وفي تمّوز (يوليو)، كشفت مكتبة كلينتون الرئاسيّة رسالة وجّهها الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون إلى كلينتون في آذار (مارس) 1994، حذّره فيها من أنّ تجربة يلتسن مع الديموقراطيّة شارفت على نهايتها وكذلك قدرته على تنفيذ وعوده بسبب إسرافه في الشرب كما بسبب البيئة المناهضة للولايات المتّحدة التي كانت تتوسّع في روسيا ومجلس الدوما.
بصرف النظر عمّا إذا كانت أوكرانيا قادرة أو غير قادرة على تشغيل أسلحتها النوويّة في مرحلة مستقبليّة ما، ثمّة سبب للاهتمام الروسيّ بسحب هذه الأسلحة من كييف ولرفض الأخيرة هذا الطلب من دون حصولها على ضمانات مقابلة. في جميع الأحوال، غضّت الولايات المتّحدة الطرف عن مخاوف أوكرانيا. مثّل كلينتون، في جانب من الجوانب، لحظة الانتصار الأميركيّ العالميّ بعد سقوط الاتّحاد السوفياتيّ، وليس صعباً تصوّر أنّ واشنطن لم تكن مستعدّة كثيراً لسماع نصائح شركائها الإقليميّين بعدما أعطى انتصارها شرعيّة لـ"صحّة تقديراتها" الدوليّة.
من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط
على مدى العقود اللاحقة، استمرّ تجاهل الولايات المتّحدة لمخاوف شركائها الإقليميّين في أكثر منطقة، ومن بينها الشرق الأوسط. عمدت إدارة ديموقراطيّة أخرى، بقيادة باراك أوباما هذه المرّة، إلى عقد اتّفاق نوويّ مع إيران. رأى حلفاء واشنطن الخليجيّون في الاتّفاق خطراً على أمنهم القوميّ. طمأنهم أوباما أنّ هذا الاتّفاق سيضع برنامج إيران النوويّ "في صندوق". تحذيراتُ كثر من أنّ هذا الصندوق سيُفتح في أوائل الثلاثينات وسيُخرج مفاجآت غير سارّة لم تلقَ آذاناً صاغية.
وصل الرئيس جو بايدن إلى السلطة سنة 2021 وفي جعبته هدف واحد: إعادة إحياء غالبيّة أفكار أوباما. بدا بايدن غير راغب بالإصغاء إلى شركائه الخليجيّين. توجّب إحياء الاتّفاق النوويّ مهما كان الثمن، إلى جانب إنهاء الدعم الأميركيّ للتحالف العربيّ في الدفاع عن الشرعيّة اليمنيّة. الخطوة الأولى على ذلك المسار كانت شطب الحوثيّين عن قائمة الإرهاب بعد أقلّ من شهر على تصنيفهم من قبل إدارة ترامب.
دار الزمن دورته حتى اقتنع بايدن بضرورة التراجع عن تلك الخطوة. وصف بايدن الحوثيّين في كلمة له بـ"الإرهابيّين" بعدما ظلّوا يهاجمون سفن الشحن في البحر الأحمر، ثمّ قرّر أن يضعهم على قائمة "المنظّمات الإرهابيّة المصنّفة تصنيفاً خاصّاً". صحيحٌ أنّه لم يصنّف الحوثيّين على قائمة "المنظّمات الإرهابيّة الأجنبيّة" كما فعل ترامب، وهو تصنيف أشمل من ذاك الذي لجأت إليه إدارته مؤخّراً، لكنّ خطوته الأخيرة عكست على الأقلّ إدراكاً بأنّ سياسته السابقة لم تجدِ نفعاً.

في الواقع، كان فشل نهجه واضحاً منذ البداية، إذ بمجرّد رفع الحوثيّين عن قائمة الإرهاب، بدأت الجماعة تصعّد استهدافها بنى تحتيّة مدنيّة في كلّ من المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة. لكن طالما أنّ تلك الهجمات لم تؤثّر بشكل كبير على الاقتصاد الدوليّ، بدا أنّ الإدارة غير مندفعة إلى التراجع عن مسارها. وأصبحت إيران أيضاً أكثر تجرّؤاً على مهاجمة الأميركيّين في الشرق الأوسط وأقرب إلى اجتياز العتبة النوويّة في عهده، على الأقلّ بالمقارنة مع ما كان عليه الأمر خلال ولاية ترامب.
عادة ما يكون الاعتراف بالأخطاء بطيئاً ومؤلماً. قال كلينتون إنّه يتمنّى لو اتّصل بنيكسون ليأخذ بنصيحته بشأن ما توجّب فعله مع أوكرانيا في ذلك الحين. بالنسبة إلى بايدن، لا يزال الوقت متاحاً للتحدّث مع شركائه الخليجيّين قبل أن تسوء الأمور أكثر في الشرق الأوسط بحسب ما يتبيّن من مسار الأمور الراهنة. في نهاية المطاف، ليس الندم ما يهمّ بل ما يمكن فعله لتصحيح أسبابه. لغاية اليوم، توحي بعض المؤشّرات بأنّ الإدارة راغبة في مسار التصحيح هذا. لكنّ تحويل الرغبة إلى استراتيجيّة شاملة قد يكون المهمّة الأصعب.
نبض