10-06-2022 | 06:15

أعمال عنف ودعوات لطرد السودانيين... ماذا يجري في أسوان؟

في خضم الأحداث، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر والسودان بعدد من المقاطع المصورة لحوادث عنف، بعضها مفبرك، والبعض الآخر ينقل الواقع من شوارع أسوان، كما دشن أهل أسوان وسم #خروج_السودانيين_من_أسوان في دعوة صريحة لطرد اللاجئين السودانيين.
أعمال عنف ودعوات لطرد السودانيين... ماذا يجري في أسوان؟
Smaller Bigger

في أقصى جنوب مصر تتمدد مدينة أسوان في وداعة أبدية، إذ تشتهر الأرض الطيبة بالسماحة مع زوارها، لكن هذه الأيّام تبدلت أحوال المدينة الهادئة، وتحول التسامح لصيحات غضب، على وقع توترات تزداد حدتها كل يوم، بين لاجئين سودانيين وأهالي المدينة.

 

آخر تلك المشكلات، وقع يوم 29 أيار (مايو) الماضي، عندما اشتبك لاجئون سودانيون مع شباب من أهل المدينة بمنطقة الصداقة الجديدة، وسبق الواقعة شجار بين سودانيين على كورنيش المدينة يوم 9 أيار، وفي نهاية نيسان (أبريل) شهدت أسوان حادثة أخرى على المنوال ذاته في منطقة السيل، أصيب على إثرها بائع متجول من أهل المدينة بقطع في الرقبة.

 

 

في خضم هذه الأحداث، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر والسودان بعدد من المقاطع المصورة لحوادث عنف، بعضها مفبرك، والبعض الآخر ينقل الواقع من شوارع أسوان، كما دشن أهل أسوان وسم #خروج_السودانيين_من_أسوان في دعوة صريحة لطرد اللاجئين السودانيين.

 

تكرار الحوادث بهذه الطريقة بات يثير المخاوف من انفجار موجات عنف أوسع نطاقاً، ويفتح أبواب التساؤلات عن أسباب هذا التأزم في العلاقات بين اللاجئين السودانيين وأهل المدينة، بعد علاقة مستقرة بين الطرفين لم تتعكر لسنوات طويلة، وتعززت بمشتركات ثقافية وعلاقات اجتماعية وطيدة، فما الذي يحدث بالضبط في أسوان؟

 

 

النزوح لأسوان

الوجود السوداني في أسوان ليس جديداً، فثمة امتداد قبلي يربط البلدين من قديم الأزل، إذ تتمد قبائل مثل: الجعافرة، والعبابدة، والبشارية، والقبائل النوبية من الجنوب المصري إلى شمال السودان، غير أن العصر الحديث شهد حضوراً سودانياً فاعلاً، بعد تأسيس النادي السوداني المصري عام 1976، وبدأ معه نشاط الجالية السودانية، بحسب ما قال عادل النور، رئيس الجالية السودانية في أسوان.

 

وأضاف النور في أحاديث لصحف محلية مصرية أن عدد أعضاء النادي المصري السوداني كان محدوداً في البداية، إذ كان معظمه من العاملين في مشروعات على نهر النيل بين البلدين، مثل: السد العالي، ومشروعات الكهرباء، وهيئة وادي النيل للملاحة النهرية التي أُنشئت بشراكة مصرية - سودانية عام 1975، فضلاً عن تجار سوق الجمال بمدينة "دراو"، الذين كانوا بمثابة نواة الجالية السودانية في أسوان.

 

وفي عام 2019، قدّر النور عدد أبناء الجالية في مدن محافظة أسوان، بنحو 4 آلاف، إلا أن تغيّراً كبيراً قد طرأ أخيراً على أعداد اللاجئين السودانيين في أسوان، وفقاً لما تقوله الناشطة السودانية في المجتمع المدني والأمينة العامة لجمعية الريف الغربي حرم تيه، التي تقيم في القاهرة، إذ تشير إلى ارتفاع أعداد مواطنيها في مدينة أسوان بشكل غير مسبوق في خلال السنوات الأخيرة.

 

 

وتضيف تيه في حديثها لـ"النهار العربي": "مع نهاية عام 2020، أصبحت أسوان مركز جذب للسودانيين، إذ شهدت المدينة في هذا التوقيت موجات نزوح جماعي من القاهرة، إلى جانب ذلك، أصبح الكثير من القادمين من السودان لا يأتون إلى القاهرة من الأساس، ويقيمون في أسوان مباشرة".

 

وتقول الناشطة السودانية "إن سبب جاذبية أسوان لإقامة السودانيين يرجع بالأساس لتقارب العادات والتقاليد، وكذا التعرض لبعض المضايقات في القاهرة، وعلى رأسها عنصرية لون البشرة، فضلاً عن الصحراء التي تلف مدينة أسوان، وتوفر مهنة مربحة يحترفها سودانيون، وهي التنقيب غير الشرعي عن الذهب".

 

وتوضح تيه: "كثيرات من النساء ذهبن أيضاً إلى أسوان في الآونة الأخيرة، وقمن بافتتاح مطاعم سودانية، وكذلك العمل في صناعة القهوة التي تشتهر النساء السودانيات بصنعها".

 

من الجاني؟

هذا التغير الديموغرافي الذي تعيشه أسوان أسهم في خلق التوترات الأخيرة بشكل كبير، لا سيما أن ثمة سلوكيات لبعض اللاجئين السودانيين أزعجت السكان المحليين، فبحسب حرم تيه "يقوم بعض السودانيين بتصنيع الخمور البلدية مثل العرقي وبيعها، إلى جانب الإتجار في المواد المخدرة، وهي سلوكيات مرفوضة بالطبع".

 

 

يتمركز السودانيون في مدينة أسوان بمناطق: الصداقة الجديدة، والصداقة القديمة، والسيل، ويقول أحد سكان أسوان - طلب حجب اسمه - إن مجرد الوصول الى هذه المناطق يشعرك بأنك وصلت للتو إلى إحدى ضواحي الخرطوم، مما أدى إلى ارتفاع إيجارات العقارات إلى حوالى ثلاثة أضعاف السعر الأصلي.

 

ويضيف الرجل لـ"النهار العربي": "هذه المناطق باتت غير آمنة، إذ احتل السودانيون الفضاءات العامة من حدائق وطرقات، وأصبح من المحتمل جداً الالتقاء بأحد السكارى ملقى على الأرض".

 

الأوضاع الاقتصادية الخانقة التي يتعرض لها هؤلاء اللاجئون، كانت "بيئة خصبة لانتشار السرقة" كما يقول أحد أبناء أسوان لـ"النهار العربي"، وهو ما أكدته بعض التقارير الإعلامية في الصحافة السودانية التي أشارت إلى انتشار عصابة "9 طويلة" في أسوان، وهو تشكيل عصابي منظم ينشط في العاصمة السودانية الخرطوم.

 

لم يبقَ السودانيون وحدهم في دائرة الاتهام، بل أن ثمة سلوكيات عنصرية تمارس تجاههم من قبل بعض المصريين أيضاً، إذ تقول حرم تيه "إن أغلب المناوشات تعود لتراكمات العنصرية التي شُحن بها السودانيون في القاهرة، قبل انتقالهم إلى أسوان".

 

كما أنه في ظل الأوضاع المضطربة، لا يستطيع السودانيون مغادرة الشقق التي يسكنونها حالياً، خوفاً من بطش الأهالي، وهو الوضع الذي تصفه تيه بـ"غير المسبوق"، وتضيف: "في مصر لم يسبق أن تعرض أبناء السودان إلى هذا النوع من التضييق، حتى في المناطق الشعبية بالقاهرة، التي قد تشهد بعض المناوشات من آن لآخر، لم تصل الأمور إلى هذا الحد من التعسف".

 
مشهد من أحد مقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي عن الاشتباكات

 

باب الخروج

لخص كاتب من أبناء أسوان - طلب حجب هويته – هذا المشهد لـ"النهار العربي" قائلاً: "هذا الوضع المأساوي لن يجني أحد من ورائه أي مكسب"، معتبراً أن "المشهد برمته يخلق ضحايا فقط"، حيث لا يستطيع توجيه اللوم لطرف بعينه على حساب الطرف الآخر، "فالجميع ضحايا" على حد تعبيره.

 

ويرى الكاتب الجنوبي أن مفتاح الحل يتلخص في تدعيم قدرة المجتمع الأسواني بأكمله على الحركة، والحوار العام، بخاصة في ظل غياب فاعلية الأحزاب، تجنباً للمواقف الفردية وبناء موقف جماعي تجاه هذه المشكلة التي تواجه أهل أسوان، مؤكداً أن الدور المجتمعي لا بد من أن يترافق مع الإجراءات الأمنية التي تعزز أمن المواطنين.

 

في المقابل، تقول تيه "إن ثمة مساعيَ حثيثة يقوم بها أبناء الجالية السودانية لاحتواء الأزمة، مع ترجيح كفة حل الجلسات العرفية، التي يمكنها تحقيق توافقات بين أهالي المدينة واللاجئين السودانيين، وتقرب من وجهات النظر بين الطرفين".

 

حتى كتابة هذه السطور، لا يزال المشهد متوتراً، وثمة من ينتظر أن تهدأ الأوضاع، ويعود السلام لمدينة سياحية، تتراجع أحوالها الاقتصادية كل يوم، مع تراجع معدلات السياحة الثقافية بفعل أزمة كوفيد-19، والحرب الروسية على أوكرانيا، فلم يعد ثمة متسع لدى أهالي أسوان لتحمل المزيد من الضغوط.

 

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
ايران 4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية