انطلق موكب المومياوات الملكية في مشهدٍ احتفاليّ عالميّ، نقلته 400 قناة تلفزيونية وبمشاركة 200 مراسل ينقلونه الى صحف وتلفزيونات مختلفة، بعد سنتين من التحضيرات التي عملت عليها وزارة الآثار المصرية مع مختلف الجهات المعنية. وقد تمّ نقل 22 مومياء ملكية تنتمي الى الأسر 17 و18 و19 و20، من المتحف المصري في التحرير حتى تستقر في المتحف القومي للحضارة في الفسطاط.
اللافت أنّ وزارة السياحة اختارت توقيتاً آخر، ضوء الشمس في حدود السادسة مساءً، لأنه يتناسب مع فلسفة الدفن عند المصريين القدماء. الاهتمام غير الاعتيادي من جانب وزارة السياحة المصرية، دفع إلى زيادة التساؤلات حول الجدوى من هذا المهرجان، والرسائل التي يمكن أن تحملها القيادة المصرية عبر نقلها المومياوات، وفي هذا التوقيت بالذات، وإلى أي جهة تهدف الى إيصالها؟
لا شكّ في أنّ حادثة جنوح حاملة الحاويات وإقفالها قناة السويس دفعا الحكومة المصرية إلى التصويب على دور مصر وأهميتها التاريخية، بهدف إعادة الاعتبار لقناتها التي أثارت في الآونة الأخيرة ردود فعل، دفعت الكثير من الدول للتفكير جدياً بفتح قنوات بديلة، لا سيما تركيا المطالبة بفتح قناة اسطنبول، وإسرائيل وقناة بن غوريون، وإيران وقناة شمال – جنوب، وجميعها تهدف إلى إيجاد بديل من هذه القناة التي تلعب دوراً أساسياً في التجارة العالمية لأكثر من 150 عاماً.
إنّ من يقرأ الجيوبوليتيك في المنطقة، تحديداً التحركات التركية والقطرية في الساحة العربية، لا سيما من ناحية دعمهما جماعة "الإخوان المسلمين"، إضافة إلى اعتمادهما سياسات التوسع على حساب الدور المصري، وحملهما القضايا الإسلامية، يدرك تأثير ذلك في الدور المصري تاريخياً؛ إذ بدأ الالتفاف التركي على الدور المصري عام 2012، عندما أدرك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، صعوبة الدخول في الاتحاد الأوروبي، فأرسل سفينة مرمرة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة.
لا يخفى على أحد صراع الجيش المصري وجماعة الإخوان في مصر وانعكاساته على المنطقة منذ وصول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى سدّة الحكم في مصر، إذ حاول القضاء على هذه الجماعة؛ عبد الناصر حارب جماعة الإخوان في الداخل المصري، وذلك من خلال الاعتقالات والإعدام لمرشديها وقادتها، ومصادرة ممتلكاتهم، وصولاً إلى محاربتهم في الخارج. وما مشاركة الجيش المصري في حرب الثمانية أعوام في اليمن عام 1962 سوى دليل على محاربة مصادر تمويل الجماعة والتي كانت يومها المملكة العربية السعودية.
بين العقيدة العسكرية المتمثّلة بالجيش المصري، والعقيدة الإخونجية المتمثلة في جماعة "الإخوان المسلمين"، نُقلت المومياوات المصرية، ونقلت معها رسالة أكثر من واضحة على تاريخية مصر الفرعونية. كما حملت معها في المبالغة بالاحتفال، ومراعاة مراسيم الدفن عند الحضارة الفرعونية، رسالة ذات أبعاد خارجية وصلت إلى كل من يسعى الى التطاول على دور مصر العربي والعروبي، وتحديداً إلى تركيا حاملة اللواء الداعم لجماعة الإخوان من جهة، والهادفة إلى زعزعة الدور الريادي المصري - الفرعوني، واستبدال دور تركي - عثماني به من جهة ثانية.
القيادة المصرية تشعر بتبدّل المواقف والأدوار في الساحة العربية، وتعيش قلق الهيمنة لأيديولوجيات تسعى لإطاحة العروبة وقوميتها، بدءاً من المدّ الإيراني وأدواته في المنطقة، وصولاً إلى الدور القطري - التركي الداعم لجماعات الإخوان في سوريا ولبنان وليبيا، وقد يكون ما حصل في الأردن أخيراً من محاولة الانقلاب الفاشلة له دلالات في القراءة المصرية، إلى التدخلات الغربية، بعدما ضعف الدور الأميركي وأصبحت الساحة العربية مستباحة لكل طامع وطامح.
مع دخول الإدارة الأميركية مع بايدن الساحة الدولية من جديد، عبر إعادة خلط الأوراق للإدارة السابقة التي اعتمدت البزنسية في رسم علاقاتها مع حلفاء الأمس، تيقّنت القيادة المصرية، فقرّرت التحرك والمبادرة؛ أولاً من خلال رفض المساعدات التي قُدمت لإعادة الملاحة إلى القناة بعد جنوح السفينة، وعرقلتها الملاحة الدولية، والجهود الجبارة لمصر في حلّ هذه الأزمة، وثانياً من خلال الاستعراض المبالغ فيه لنقل المومياوات في رسالة واضحة لدور مصر كنقطة ارتكاز لمنطقة الشرق الأوسط.
أخيراً، إنّ المنطقة تعصف فيها رياح التغيير حيث التنافس بين المعسكرين الغربي والشرقي آخذ في التصعيد، وما على مصر إلا تركيز أسس وجودها، وعرض قوتها كي تكون لاعباً إقليمياً لا يمكن الاستغناء عنه. فسياسة تركيا جعلتها جاذبة للأقطاب الدوليين، وهذا ما تبدو عليه السياسة المصرية اليوم، عبر تقديم نفسها لاعبة إقليمية لا يمكن استبدالها ولا الاستغناء عنها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
4/14/2026 4:20:00 AM
لـ"إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية"...
شمال إفريقيا
4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
كتاب النهار
4/14/2026 2:23:00 PM
اتفاق السلام مع إسرائيل ليس مطروحاً الآن قبل تحقيق مجموعة من الشروط اللبنانية التي سيطرحها الوفد المفاوض
اقتصاد وأعمال
4/14/2026 9:14:00 AM
كم بلغت الأسعار الجديدة؟
نبض