النحتُ على الخشب... فنٌ يُقارع النسيان
لا شكّ في أنّ الفنّ يغيّر وجه الأمم، حيث إنّه من أعمدة الثقافة في أيّ بلد، فإذا تجرّد هذا البلد من ثقافته، تجرّد من حضارته، بالتالي من هويته وسقط إلى الحضيض.
ولكن مع تحولات عالمنا الراهن، أخذ الفن يتغيّر شكلاً وأسلوبًا، في حين تقلصّت أنواع معينة من الفنون التي اليدوية كانت تشكّل جزءًا من إرث الدول وتراثها. النحت على الخشب واحدة من هذه الأعمال التي تراجعت في زمنٍ سادت فيه فكرة الجاهز والسريع لتطغى على القيّم والأصيل.
حسين عبد الجليل الخطيب من الفنانين اللبنانيين القلائل الذين مازالوا يحرصون على هذا النوع من الأعمال. يعرض تحفه الجميلة التي لم تأخذ حقها، كما هو حال كلّ شيء جميل في بلد بائس مثل لبنان. قصدناه فوقعت عيوننا على مشغولات في غاية الجمال والدقة.
لا شكّ في أنّ الفنّ يغيّر وجه الأمم، حيث إنّه من أعمدة الثقافة في أيّ بلد، فإذا تجرّد هذا البلد من ثقافته، تجرّد من حضارته، بالتالي من هويته وسقط إلى الحضيض.
ولكن مع تحولات عالمنا الراهن، أخذ الفن يتغيّر شكلاً وأسلوبًا، في حين تقلصّت أنواع معينة من الفنون التي اليدوية كانت تشكّل جزءًا من إرث الدول وتراثها. النحت على الخشب واحدة من هذه الأعمال التي تراجعت في زمنٍ سادت فيه فكرة الجاهز والسريع لتطغى على القيّم والأصيل.
حسين عبد الجليل الخطيب من الفنانين اللبنانيين القلائل الذين مازالوا يحرصون على هذا النوع من الأعمال. يعرض تحفه الجميلة التي لم تأخذ حقها، كما هو حال كلّ شيء جميل في بلد بائس مثل لبنان. قصدناه فوقعت عيوننا على مشغولات في غاية الجمال والدقة.
حين سألناه عن منجزاته، أجابنا أنّه كان يمضي فترات طويلة، تحفر يداه ألواحًا من الخشب ليُخرِجَ منها تحفًا تسرّ الناظرين، معتمدًا على وسائل بسيطة وعلى اجتهاده وكدّه ومهارته وإبداعه العقلي وإتقانه عمله. إنها حكايته مع الفن والإبداع والمهارة التي تتطلّب جهدًا يدويًّا مُباشرًا وموهبة فذّة ورؤية ثاقبة.
راقبناه، ويداه تغازل الخشب، فأخذ الذهول منّا كل مأخذ، وسافر بنا إلى عوالم من السحر والجمال! فرأينا فيه المبدع الذي يعشق الفنّ اليدوي ويتعمّق في ثناياه، وله مكانة خاصّة عنده؛ فهو يتماهى معه ويقدّره. وعن هذا العشق قال الخطيب: "حقيقة، إنّ هذه الحرفة ليست مهنتي بل هوايتي التي برعت فيها واعتنقتها منذ عقود. كنت ألجأ إليها بعد عملي وفي أوقات فراغي، لأنّي لا أحبّ إضاعة الوقت فأنا أؤمن بمقولة "رأس الكسلان معمل الشيطان"! ورغم أنّ هذه الحرفة تتطلّب مجهودًا جبّارًا ومهارة عالية إلّا أنّني لم أملّها ولم أكلّ منها".
ويتابع: "للأسف الظروف حجبت عني هذه الهواية التي أحبّ. فالأدوات التي أحتاج إليها لم أعد أجدها، ما اضطرّني إلى الاعتكاف منذ نحو ثلاث سنوات أو أربعًا، وكفّت المهارة التي تتطلّب مني أن أعالج أخشابي بيديّ ما استطعت وألّا أستعمل إلا آلة بسيطة في أمورٍ تعجزان عنها". ويُردف: "إنّ مجال الحرف اليدويّة ككل شيء في بلدنا لا يلقى اهتمامًا ولا دعمًا من الحكومات المتعاقبة وليس له قيمة، مثله كمثل الإنسان الذي يُعتبَر رقمًا وصوتًا في الانتخابات ليس إلّا، ليكرّس زعامات زعماء لم ينفّكوا يُذلونه ويمرّغون وجهه في الوحل يوميًّا آلاف المرات".
ورغم أنّ هذا الفنّ يعبق بروعة التراث، التراث الذي تعتزّ به الأوطان الراقية التي تحترم أبناءها وجهودهم ومهاراتهم ومواهبهم، فإن الحرف التي كان يشتهر بها بلدنا لبنان، كالفخّار وصناعة السلال... اندثرت بعدما كان الناس يتوارثونها من جيل إلى جيل بتفاصيلها الدقيقة، وأسرارها وروعتها.
إنّ المشغولات الخشب التي حفرتها يد المبدع الخطيب، لو هي نطقت لكانت نطقت بآيات الجمال والإبداع وما يستطيع العقل البشري أن ينجزه. لو كان حصل على اهتمام من الدولة اللبنانية أو أي جمعية مهتمّة بالفن، لكان نظّم معارض لأبناء بلده والسياح الكُثُر – في ما مضى – الذين كانوا يقصدون بلادنا باستمرار للسياحة ولزيارة المعالم الأثرية فيه.
يقول الخطيب في معرض حديثه عن هذه الحرفة: "إنّها مُمتعة وتحتاج إلى نفسٍ طويل وإلى جَلَدٍ، ولكنها لن تمنحك ما تريد من دون إتقان وإخلاص في العمل؛ فهي حسّاسة والخطأ فيها يجعل العمل الشاقّ بجزيئات الخشب يذهب سدًى "كسرابٍ بِقيعة"".
على الرغم من إتقانه لهذا العمل، فإنّه لم يتكسّب من حرفته هذه لأنّه لم يمتهنها، وكان يعتبرها مصدر متعة له تُرضي ذوقه الفنّي الراقي والملهِم. ويقول: "إمتاع الناس – في الأقل من يراها – الثمن الذي أتقاضاه، لأنّ تسعيرها بالمال لن يفيها حقّها، بالتالي لن تُقَدّر حقّ قدرها. إن الفن والصّبر والأناة والتفكير العميق أمور لا تُثَمَّن بأموال ولا بماء الذهب، فنظرة إعجاب من راءٍ مثقّف قد تعطيها حقّها أكثر من الكنوز المكدّسة".
ليس هو وحده من هجرَ حرفته قصرًا – ورغم أنّه في بداية العقد الثامن من عمره، ما زال قادرًا على الإبداع والعطاء – فكثرٌ من أصحاب الحِرَف إمّا هجروها وإمّا ماتوا وماتت معهم أسرار حرفهم التي لم يتعلّمها أبناؤهم الذين اتّجهوا إلى الكسب السريع، لأنّها ما عادت تؤمّن لهم أقواتهم في مطحنة الحياة.
وفي هذا السياق يقول: "صحيح أنّ من أهداف هذه الحرف اليدوية والفنية، تنمية الجسم والعقل معًا؛ فهي تمدّ الجسم بالطّاقة نتيجة الجهد المبذول في العمل، وتمدّ العقل بالقوّة والقدرة على التفكير والابتكار، إلا أنّ أصحابها يحتاجون إلى مردود مادي حتى يستطيعوا الاستمرار والعطاء".
لقد كان الخطيب يعتمد في عمله على مهارته الفردية الذهنية واليدوية. فهو يقول: "كنت أكتسب كل يوم خبرة جديدة فأطوّر عملي بالمواد الأولية والوسائل المتوفّرة بين يديّ وأتقنه. أمّا قيمة ما أصنعه – كالحرف الأخرى – فكبيرة جدًّا، لذلك يجب المحافظة عليها من الاندثار والزّوال، على أمل أن تُعرَض أمام الملأ يومًا ما!".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض