سألني أحد طلابي: أيجوز تطبيق التحليل النفسي على القصة القصيرة بدلاً من الرواية؟ وهل سنصل إلى نتائج دقيقة؟ ولمَ يتفاعل القارئ مع هذا الجنس ويشعر بالراحة بعد القراءة؟
أسئلة جمة أثارها الطالب، وهي تنمّ عن شغفه بالقصة من جهة، وتوقه إلى النقد النفسي.
بصرف النظر عن الموقف من القصة القصيرة، وتعدد تعريفاتها. كان جوابي الواضح: نعم، يجوز تطبيق التحليل النفسي، ليس فقط على القصة والرواية، بل على كل الآداب والفنون أيضاً.
ولا شك في أنّ موقفي ينطلق من تطبيقات رواد التحليل النفسي ومواقفهم من الآداب والفنون، وكذلك تجربتي الطويلة في التحليل النفسي للأدب.
فمَن منا لا يذكر أسطورة نرسيس والأوديب؟ ألم يؤكد فرويد نفسه أن الشعراء والروائيين هم أساتذة علماء النفس؟
ففرويد حين سئل عن أساتذته الذين بلوروا أفكاره النفسية أشار بأصبعه إلى مكتبته حيث اصطفت روائع الكتب العالمية.
وليس بعيداً من التنظير، فإن تطبيق معطيات علم النفس على الأدب يشهد رواجاً مقبولاً في الرسائل والأطاريح. ويكفي أن أشير إلى أني أشرفت حتى الآن على نحو ١٠ أبحاث منهجها نفسي. ناهيك بعشرات الأبحاث الصفيّة الأخرى.
فكل الأجناس والأعراض تستوعب معطيات التحليل النفسي. وفي ما يتعلق بالقصة القصيرة، فهي تضمّ شخصيات جمّة، وكل شخصية لها سلوكياتها وعِقَدها وردود فعلها وحالتها النفسية.
وقد يكون الكاتب نفسه قد أسقط عِقَده أو حالاته النفسية على شخصياته. وقد تكون الأخيرة تعاني من عِقد نقص أو نرجسية أو اضطرابات. فهل من منهج أغنى من المنهج النفسي ليضيء على كل تلك الحالات؟
والواقع أن التحليل النفسي له اتجاهات جمّة. لكن الغريب وجود الآراء المسبقة التي تغلّف هذا المنهج. من نوع أنه يركز على الجنس والرموز الجنسية.
الواقع أن من يتّهم هذا المنهج بتلك التهم، ينطلق فقط من اتجاه نفسي واحد هو الفرويدي، متجاهلاً بقية الاتجاهات كالأدلري واليونغي واللاكاني وغيرها.
ولا نغالي إن قلنا إن بواعث التشويق لقراءة القصص القصيرة تعود أساساً إلى حالة نفسية عند المتلقي. إنها أوالية التماهي التي تدفع القارئ إلى الإعجاب بالبطل والتفاعل مع الأحداث التي يمر بها.
حتى إن نهاية القصة وعناصر السرد والتشويق لا تخلو من أثر نفسي. فهي تعكس بشكل أو بآخر أواليات الدفاع عند الكاتب والمتلقي في آن معاً؛ كالكبت والتسامي والإسقاط والنكوص.
مجمل القول: إن التحليل النفسي للقصة القصيرة يعمّق فهم النص والدراسات. وهو ميدان خصب يمكن أن يفيد الدارسين متى فهموا النظريات النفسية. والسؤال هنا: حتّام تبقى معطيات علم النفس بعيدة من المناهج الدراسية في المراحل كافة؟
اقرأ للكاتب أيضاً: لماذا يهرب معظم الباحثين من المنهج في الدراسات الأكاديمية؟
متخصص في التحليل النفسي للأدب في الجامعة اللبنانية
نبض