الأحد - 27 أيلول 2020
بيروت 29 °

يوميّات حالِمة: الحُب الساحر والماكر الذي تحلو بوجوده كل الصعاب!

هنادي الديري
هنادي الديري https://twitter.com/Hanadieldiri
يوميّات حالِمة: الحُب الساحر والماكر الذي تحلو بوجوده كل الصعاب!
يوميّات حالِمة: الحُب الساحر والماكر الذي تحلو بوجوده كل الصعاب!
A+ A-

أين يذهب الحُب الساحر والماكر عندما تنتهي تنهيدة آخر نغمة من لحن البدايات سريع الزوال؟ كيف تتحوّل العاشقة الأنيقة بحزنها "الغنّوج"، صاحبة "الشفتورة" الجذّابة كائناً "نكِداً" يُحوّل الغيرة التي يفترض أن تكون مشروع قبلة جيّاشة بأحاسيسها، إلى مواجهة ضارية، بركانيّة مع الأوهام، و"أنا متأكدة إنك بتحبّها وبطّلت تحبني"؟ الحُب الساحر والماكر الذي تحلو بوجوده كل الصعاب، و"شاغلّي بالي، وما أعرف روح ولا إجي"، كيف نحلّ لغزه الأبدي؟ من هم الأبطال الذين تمكّنوا من ترويض الوحش الذي يتربّص في داخلهم، فيُدمّر تالياً، كل محاولاتهم في الرقص على أنغام الحُب، الذي بفضله نرضى بالواقع، ونتقبّل الجيران وأفراد العائلة "يالّلي قاعدين ع قلبنا" من "التمانينات"؟ و"شخير بولس" الإيقاعي في الطابق الرابع يتحوّل بنظر العاشق سمفونيّة شاعريّة "الملمس"، عنوانها، "بعد ظهر كل يوم وجبة الفاصوليا المتبّلة! بعد ظهر كل يوم عاصرونيّة الفتّة باذنجان". والعاشقة التي كانت يوميّاتها، "قبل كم يوم"، مؤلّفة من "هزّة خصر وشال أحمر وتنهيدة تشي بالبدايات"، تحوّلت، ساحرة الشرق الشرّيرة "ليوم الشرّ"، وهي مستعدة لـ"تطيح" بالأعداء بضربة كفّ من أظافرها الطويلة.

وها هو الكاتب دون ميغيل رويز يدعو العاشق إلى التعقّل وإلى تزيين روحه ببعض صفاء، مؤكداً من خلال كتابه "الانقلابي": The Mastery Of Love، إن العلاقات فن، و"إنّو ما بدّها هالقدّ". بإمكاننا جميعاً أن نتفنن في علاقاتنا الغراميّة (الراعبة؟!)، مُتسلّحين ببعض خطوط عريضة ودليل عملي، لأن الحياة كما يراها تلميذ مدرسة Toltec، مجرد حلم، ونستطيع أن نحوّله قصة جميلة أو كابوساً نرقص فيه على أنغام "شخير بولس".

يستند هذا الاقتحاميّ الذي بدّل حيوات عدّة إلى رجال ونساء عرفوا منذ آلاف السنين جنوب المكسيك بحكمتهم ومعرفتهم العميقة في الحياة ودهاليزها. هم علماء وفنانون كما يصفهم هذا الرجل الحكيم حوّلوا الحب أطروحة، قصيدة، رواية مُنمّقة، "يا باشا سمّيها زيّ ما أنتَ عايز"، وفهموا أن الحب والعلاقات أكثر من أغانٍ تنتهي كلماتها "على القافية". والحب بكل تأكيد أكثر من نظرات هائمة، وعاشقة تائهة. هيا بنا نتمكّن منها، هذه العلاقات المُتربصة خلف سوء التفاهم والاتهامات الخاطئة. هيا بنا نتفوّق على الحياة بفضلها. لا بد من أن نتخطّى الأوهام، فنحن من نصنع واقعنا من خلال أفكارنا ومن خلال الاهتمام بأنفسنا وبحياتنا فقط، من دون التدخل في حياة الشريك وإن كنا نريد أن نساعده ونقف إلى جانبه في كل "طلعاته ونزلاته". يرى رويز أن المجتمع يفرض علينا سلسلة من التصرّفات ننقلها من جيل إلى آخر ونُكررها من دون أن نطرح أسئلة حول فعاليتها. الحياة، إذاً كما يرسمها أبناء مدرسة الـ"تولتيك" مجرد حلم. وكل واحد منا يغرق في حلمه الذي غالباً ما يحوّله مجرد كابوس أو سلسلة من الكوابيس بفعل ردود الفعل التي اعتدناها. وإصرارنا على التعامل مع كل نظرة أو كلمة أو حتى نوبة غضب من الشريك وكأنها موجهة ضدّنا شخصياً، في وقت هو لا يرانا، بل هو يتعامل مع شياطينه الداخليّة، و"طلعنا بوجّو" في هذه اللحظة الحاسمة. لكل منا ندوبه وخيباته وهو في كل لحظة يتعامل معها وليس مع الآخرين، وإن كان يوجّه نيران غضبه عليهم. وبما أن هذه المدرسة تدعونا إلى إتقان النصف الذي يتعلّق بنا فقط في العلاقة، فنحن، إذاً، مدعوون إلى التحكّم بردود فعلنا والعمل على كل أقسام حياتنا حتى تتحوّل هذه المواجهات مجرّد مقطع في قصّتنا الـ"طويلة عريضة". نأخذ في الاعتبار بأن الشريك يواجه شياطينه الداخلية، وليس من المفترض أن نتأثر. الألم لا ينبع من غضب الشريك بل من ردود فعلنا!

كما أن السعادة لا تنبع من أحد خارج إطارنا، ومن هنا يطلب منا رويز أن نعمل على إيجاد السعادة من داخلنا وبفعل تصميم حياتنا بالطريقة التي تسعدنا. ما إن نضع سعادتنا في يد أي كان، نُصبح عرضة للخيبة المحتومة. كما أن تقبّل مظهرنا الخارجي وجسدنا كما هو، من التفاصيل التي تجعلنا أكثر من قادرين على قبول الآخر كما هو، "يعني بكل علاتو، يا عيني!". والمطلوب أن نحسن الاختيار، والأهم عندما نختار، ألا ننهمك في تغيير أي شيء في الشريك، بل نتقبله كما هو! لأننا يجب أن ننهمك في صقل مهاراتنا وتحويل حياتنا حلماً جميلاً، وليس على الكابوس الجهنمي الذي يستريح على الاتهامات وردود الفعل وعلى العمل على تغيير بعض مقاطع لا تروقنا في قصة الشريك. كل شخص في العلاقة مسؤول عن نفسه وعن خياراته ويجتمعان معاً لخلق علاقة متينة تستريح على خدمة الآخر والعمل كفريق. والأهم ألا يقتحم أحدهم مساحة الآخر الشخصيّة وإن كانا فريقاً واحداً. وتؤكد مدرسة التولتيك أن العنف ممنوع في العلاقات ولا يجب أن يرضى بها الآخر إطلاقاً. بل يجب أن يدير ظهره للشريك إذا ما تعدّت المواجهات الطبيعيّة اليوميّة حدّها. أبناء هذه  المدرسة يتحدثون عن المسائل اليوميّة البسيطة التي غالباً ما تتصاعد بفعل سوء التفاهم والاستنتاجات الخاطئة المبنية على معتقداتنا لا على حقيقة الشريك والسبب في تصرفه على هذا النحو أو ذاك.

والأهم من ذلك كله، أننا عندما نرتكب الأخطاء المحتومة في العلاقة، "ندفع ثمنها" مرة واحدة فقط، وليس "كل خمس دقايق: وبتذكر لمّا بسنة العشرين قلتلّي هيك وعملت فيّي هيك؟". الحُب الساحر والماكر الذي يحلو بوجوده الترنّح على صدى "لطشات إمرأة عمّي وبناتها العقارب"، أكثر من كلمات أغنية رومنطيقيّة تنتهي "على القافية". وهو بكل تأكيد يستريح على الوعي والمعرفة، وبعض إدراك. الحياة، كما ترسمها هذه المدرسة العريقة، مجرد حلم، ونحن ذاهبون من هذه الدنيا، شئنا أم أبينا. فلم لا نحوّلها رقصة جميلة "هيك، هيك، محسوبة علينا"؟

[email protected]

الكلمات الدالة