أقلامٌ غادَرَتْها زُرقَتُها
Smaller Bigger

كان الغُبار يسيح في شوارع البَلدة نهايةَ خريفٍ قارسٍ. الجو قاتمٌ مُربِكٌ. كنتُ، في باحةِ البَيت، ألعبُ بقَوسي وسهامي التي أصنعُها من أغصان شَجرة الرمّان المُخضرَّة. أعوادُها صَلبة. أبْريها بصعوبةٍ. تَسدُر شجرةُ الرمان في حَديقتنا الخلفيَّة. وتموءُ تحت ظلالها القِطط وتتثاءب عند الظهيرة. عندها، أقبلَ مُوظّف البريد من مكتبه، حيثُ يوجد الهاتف الوحيد في بَلدتنا. خاطب والدي:

- وَرَدَتنا مُكالمةٌ من مركز شرطة المُحافَظة. سَيُعيد الاتصالَ بكَ بعد ساعة. الرجاء الحضورُ على وجه السرعة.

صوَّبْتُ سهمًا نحو السماء فَسَقط على سَطح بَيتنا. كلّما أفرغتُ كنانَتي، صعدُت إلى هناكَ وجمعتُ السِهام ثم عاودتُ الرِّمايَة. هوايتي مُقارعَة السماء. أرمي أعوادَ الرُمّان في اتجاه السماء حتى لا تصيبَ عيونَ إخوتي الصغار، فَيَضربَني أبي.

على عَجلٍ، لـَملم أبي أغراضَه وتَوجَّه نحو مركز البريد. تبعتُهُ وأنا أحمل قوسي. لم ينتبه لي أحدٌ. لَفَحتْنا الريح الباردة وما أثارته من غبارٍ أسودَ، وهي تعزفُ هريرَها الـمُدوّي. تنطلق في كلِّ الاتجاهات بلا غاية. وَصلنا إلى مركز البريد. رنَّ الهاتفُ الوحيد. كان في الطرف الآخر من الخط ضابطُ شرطةٍ. قال بصوتٍ فاترٍ :

- ألم يَتعبْ خالُكَ من كتابة الرسائل وإهدار الأقلام والأوراق؟ نحن تَعبنا. في أسبوع واحدٍ، تلقيّنا خمسَ رسائل، كلُّها سبٌّ مُقذع لفخامة رئيس الجمهورية. قرّر المحافظ سَجْنَه لـتطاوله على هَيبَة الدولة .

-لا حول ولا قوّة إلاّ...

-تجاوز سِنُّهُ السبعين ولم يهْدأ قَلمُه. عَزلتُهُ عن بقيّة المَسجونين، في غرفة صغيرة، حتى لا يتشاجرَ مَعهم ولا يُؤذونَه. يَحتاج إلى بطانية وبعض الدواء... وحزمةِ أوراقٍ بيضاء. سيبقى في السجن شهْرَيْن على الأقل.

-أين هو الآن؟ الغرفة في مركز الشرطة هنا أم في السجن الجهوي؟

- هو الآن عندنا في الـمَـركز. لا يزال هنا. سأسمح لك بالحديث إليه خمس دقائق لا أكثر، ثم سننقله إلى السجن الجهوي.

دلف والدي إلي غرفة ضيّقةٍ في الطابق السفليّ. فيها دُكّانة مرتفعة، بُنِيت من الحجر. جلسَ عليها خالُه. وما إن رأى والدي حتى صاح فيه:

-قلتُ لكم ألفَ مرَّة لا تزوريني، ولا تُخرجونني من هنا. إما أنا وإما هو. رأسي أو رأسُهُ.

-خالي، هَوِّن عليك. كان الرئيس رفيقُك في المدرسة، دَرَستما عند نفس المُؤدّب، من أيامها وأنتما تتناكفان. انضمَّ هو إلى الحزب الدستوري وأنت إلى الحزب القديم. تصارعتما طيلةَ عقود. والنتيجة: هو رئيس دولة وأنت سجينٌ عاطل.

كانت القوس في يَدي. لامست عودَها الـمُخضرَّ وداعبتُ وتَرَها. أتساءل: هل أرمي بسهمي هذا الشرطيَّ البَدينَ، الجالسَ أمامي يدخِّن في شرودٍ أم أصوِّبُه نحو سَقفِ هذه الغرفة البَاردة؟

-ما تكانفنا ولاتصارَعْنا. هو عميلٌ لفرنسا من أول يوم. كلكم تعلمون أنَّ فرنسا هي التي أنشأت حزبَه لتقسيم "حزبنا الحرّ " الذي بَعَثناه لـمحاربة الاستعمار.

-ولكنه، بعد الاستقلال، أراد مكافأتَكَ بمنصبٍ عالٍ في وزارة العدل فَأبيتَ.

-لا أقبل منه أيَّ منصَب. مَن هو حتى يُعيِّنَني. لقد أجرَمَ في حق وطنه ودينه: أغلق جامع الزيتونة، صادق على مجلة الأحوال الشخصية وأبطل الأوقافَ بعد أن استولت "دولتُهُ" عليها .

- تلك ضرورات التحديث.

- بل كفرٌ وخيانة.

-لما أكثرتَ الانتقادات أعطاكَ فيلا فاخرة في قلب المدينة ورسم لك جرايةً محترمة، تكفيكَ بقية العمر.

- لن تسكتني عِمارات العالَم ولا أموالُ الدنيا .

-ولكنك أنت اليومَ عجوز. تعاقبتْ عليكَ الأمراضُ فالأفضلُ، لك ولنا، تهدئة الأجواء. وما دمتَ تعشق الكتابة فانصرفْ إلى تحرير مُذكّراتك .

-أنا لا أكتب إلا لهذا الذي يُسمّي نفسه : "رئيسًا". سأظلُّ أكتبُ إليهِ ما دُمتُ حيًّا.

يتكرر هذا المشهد مرة أو مرتيْن في السنة. وكان والدي يزوره في سجنه كل يوم ثلاثاء حاملا له "السلة" وفيها، علاوةً على المأكولات، حزمةً من الأوراق البيضاء وبعض الأقلام.

قال السجّان لوالدي وقد التقى به في مركز البريد صدفةً:

- عندما تَنفذ الأوراق، يَستجديني خالُك أن أجْلبَ له حزمةً جديدة منها، مع بضعة أقلام. في السنوات الأولى، كان مديرُ السجن يرفض ولكن ما لبث أن تلقّى "توجيهاتٍ"، من فَوق، بالسّماح له بها. دونَ أوراقه، يكاد خالُكَ ينهار. يظل يزمجر حتى يَرتَبكَ السجنُ بمن فيه. ما زلتُ أذكر يَديْه المرتعشتَيْن تمسكان بالورقة ثم ينكبُّ عَليها ليخطّ سطرًا بعد سطر. تتوالى الكلماتُ بيأس. كأنّها نزيف. يرفع رأسه قليلاً ثم يُواصلُ، راشقًا عَينَيْه أمامَ البياض الذي يتآكل تحتَ وطأة القلم الأزرق وهو يَكتسحُ الورقةَ اكتساحًا. عندما ينتهي، يُخفي الكلَّ تحتَ وسادته ويظل يُراقب الفراغ في صمتٍ وأسًى، مثل صيّادٍ نَفَذت السهام من كِنانَتِهِ.

حين أملُّ اللعبَ بالنِبال، أعود إلى طائراتي التي أصنعها مما يَجتمع في سلة المُهملات من الأوراق الـمُستخدمَة. أرسلها إلى السماء. تسقط. فأعيد إرسالَها ولا أملُّ من مقارعة الفضاء.

أكّد ضابط الشرطة لوالدي أنه لم يُعد يَقرأ رسائلَ خالِهِ. ملَّ خطوطَها المتعرجة على الأوراق المُسوّدة بالحِبْر الداكن. مجرّد رؤيتها يصيبُه بالدوار. ولكنه كان يفتحها احتياطًا. "فخامة الرئيس" لا يستسيغ أيَّ خطأ. تُواجهه كتابةٌ مُعَرَّقة مثل كتابة العدول والمأذونين. يَضعها في ملفٍ خاصّ. وكلمااجتمعت لديْه حزمةٌ مُحتَرمَة يُرسلها لأبي الذي يَرميها مباشرةً في سَلة مُهملاته. وآخذها أنا لأصنع بها طائراتي الورقيّة التي أرسلها في السماء فَتسقط.

عُزِل "الرئيس" سنة 1987. ذهبنا يومَها إلى بيت الخال حتى نُهنّئه بهذا الحدث. وجدناه مُقطّب الوَجه. لا يكاد يُصدّق هذا النبأ. انطلق يهذي: "سُيُعادُ فتحُ جامع "الزيتونة" وتُلغى مجلةُ "الأحوال الشخصية" وتُرجَع الأحباس إلى من حُبِّسَت لأجله". وبعد خمسة أيام فقط، سَمعتُ شباب المقهى يقولون: "الحكومةُ الجديدة، حُكومَة التغيير، قرَّرت غلقَ سائر المساجد عَدا فترة الصلاة، وأنها تساند تحرّرَ المرأة الكامل. وثمةَ حديثٌ هامس عن استيلاء "الحاكم" على بقيّة أراضي الأوقاف لإقامة مُنتزهاتٍ وفنادق. مفتاحُ الازدهار جلب السياح الأوروبيين...".

بعد وفاة الخال المفاجئة، عَثرنا على كرتون فيه أكثر من مائة قلم دون حبرٍ. مجرد هياكل بلاستيكية غادرتها زُرقَتُها فباتت مثل أشباحٍ. أزاحَ أبي الأقلام جانبًا، فوجد تحتها كرّاسًا كبيرًا كُتب في الصفحة الأولى منه: "هذه سيرة حياتي أدوّنها للتاريخ. لا قِبَلَ لأحدٍ بمعارَضة التاريخ ولا بعكس سَيْره. خَطّه مسترسلٌ جبارٌ، لا يُقاوم. مَسيرته عاتية لا توقِفُها الأماني. ما كنت أتمنّاه هو الوفاء لمن مضى. كانت أقلامي سهامًا أرميها عساها تصيبُ أهدافَها. سدّدتُ التصويب ولكنني أخطأتُ كلَّ الأهداف. أجمَع سهامي وأعيد الكرَّة. بعد أيامٍ، سأكسر نبالي وألقي كِنانتي. سأترك النّصالَ تتكَسَّر على النصال".

اقرأ للكاتب أيضاً: عَربَدة في بيت الإنشاء

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

آراء 5/19/2026 4:27:00 AM

المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...

لبنان 5/19/2026 10:50:00 AM
يتحول الطقس تدريجياً إلى متقلب مع أمطار متفرقة ورياح ناشطة تصل أحياناً ٧٥ كلم/س مع ارتفاع لموج البحر ويستمر حتى مساء يوم الخميس
لبنان 5/19/2026 2:15:00 PM
اعتماد أحكام القانون الرقم 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين، واعتبار أحكامه نافذة
مجتمع 5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.