الخميس - 29 تشرين الأول 2020
بيروت 28 °

إعلان

ولادة أول طفلة بعد أول عملية زرع رحم في لبنان... الوالدة لـ"النهار:"الدني كلها مش سايعتني"

المصدر: "النهار"
ليلي جرجس
ليلي جرجس
الطفلة آية مع والديها بعد 8 أشهر على ولادتها.
الطفلة آية مع والديها بعد 8 أشهر على ولادتها.
A+ A-


في غرفة العمليات في مستشفى ومركز بلفو الطبي خضعت ريهام شحادة إلى أول عملية زرع رحم في لبنان والشرق الأوسط وشرق أفريقيا. بعد 12 ساعة من استئصال الرحم و6 ساعات من زرعه في جسم ريهام قصة سنرويها كاملة بعد أن تكللت بولادة أول طفلة من عملية زرع الرحم. هذه الحياة التي كانت تنبض في أحشاء هذه الشابة العشرينية أعادت الأمل إلى كثيرات يعشن معاناة العقم وحلم الأمومة المعلّق. بعد 8 سنوات من الألم والخيبات والعذاب، كُتب لريهام أن تختبر أمومتها وتحضن بين يديها طفلتها الأولى آية التي "تزين البيت وتساوي فرحة الدني".

لم تكن رهام قد تخطت الـ17 عاماً عندما اكتشفت انها تعاني من رحم طفولي. كان في داخلها شيء ناقص تجهله، كبرت رهام لكن داخلها بقي صغيراً. لم تكن تتوقع أن تسمع كلمات الطبيب الذي قال لها إنها تعاني من "رحم طفولي" سيحرمها من تحقيق حلم الأمومة يوماً ما. هذه كانت صفعتها الأولى التي تمنت أن تكون كذبة، زيارات كثيرة لعدد من الأطباء والمتخصصين إلا أن الحقيقة واحدة "لم تنجح كل العلاجات من تغيير حجم الرحم".

هكذا بدأت تتلاشى أحلامها رويداً رويداً، وكل رحلة بحث عن علاج سرعان ما تنتهي بخيبة جديدة. من خبر على الإنترنت "بشرى سارة لكل السيدات، لا عقم بعد اليوم" إلى اتصال مع الطبيبة رندة عاقوري ، محطات كثيرة قطعتها ريهام قبل أن تصل إلى محطتها الأخيرة "عملية زرع الرحم". هذه العبارة دفعت والدتها التي كانت برفقتها إلى التبرع برحمها "شرط أن تراها سعيدة وتخفف من آلامها".

في 21 حزيران 2018 خضعت ريهام لرزع الرحم وفي 30 أيار 2019 خضعت لعملية تلقيح الجنين. تُشاركنا ريهام قصتها اليوم لتُعطي الأمل لكل من تمرّ بتجربة مماثلة، لتقول "أن لا شي مستحيلاً، وأنا اليوم أحمل نعمة بين أحضاني اسمها "آية" التي أصبحت كل حياتنا وضحكة بيتنا. لم أتخيل أني سأعيش هذه الفرحة، وما سعيت لأجله أصبح حقيقية أمامي. بعد أسبوع على عملية التلقيح، شعرتُ بألم في جسدي، كان صوتٌ في داخلي يهمس لي أنني حامل، أجريت اختبار الحمل وجاءت النتيجة ايجابية. أنا حقاً حامل لم أصدق، أطلعت زوجي على الخبر، انهمر بالبكاء وكانت فرحته شديدة. هذا الخبر الذي انتظرناه طويلاً يتحقق".

توجهت ريهام إلى أحد المختبرات لإجراء فحص دم والتأكد من النتيجة مرة ثانية، كانت تشعر أنها حامل، هذا الصوت الذي في داخلها أقوى من أي شيء آخر. وفعلاً جاءت النتيجة "انها حامل". رحلة العلاج الطويل وكل المحطات التي مرّت بها، لم تكن لتجتازها وحدها كما تقول "كان زوجي وأهلي وبيت عمي وبعض الأصدقاء إلى حانبي لتخطي كل هذه المرحلة، وعندما علمت بخبر حملي توجهت إليهم لأخبرهم بهذه البشرى السارة. بدأت أمومتي تكبر في داخلي شيئاً فشيئاً، شعرتُ بالإنزعاج في الأشهر الأولى من الحمل، مرّت الأشهر وكنتُ أشعر أن حلمي بات على مقربة مني. وما حلمت به لسنين سيصبح حقيقة".

في الشهر الثامن تعبت ريهام، وكان عليها النزول إلى لبنان لمتابعة حالتها عن كثب. نزلت مع والدتها وخالتها قبل أن تتفاجأ أن تاريخ الولادة لن يكون كما كان مخططاً له، وعليها أن تولد في 13/2/2020. تصف ريهام ما عاشته بالقول "كنتُ مصدومة، لم أكن جاهزة لذلك ولكن كانت سعادتي في أن أحضن ابنتي يُضاهي كل سعادة الدنيا. لم يكن زوجي معي في تلك اللحظة، لأن تاريخ الولادة لم يكن كما كان مقرراً نتيجة الحالة الطارئة".

عند الخامسة إلا عشرة وُلدت آية ابنة ريهام، "لما أخرجوها مني شعرتُ أن روحاً مني تخرج، لا يمكن أن أصف شعوري، لم أصدق أني أحمل هذه النعمة بين يديّ. بكيتُ كثيراً عند رؤيتها، "الله ما يحرم حدا من نعمة الأمومة، ما عشته معجزة تتحقق". اليوم آية كبرت ومرّت 8 أشهر على ولادتها، تؤكد والدتها ريهام أنها "غيّرت حياتنا، هي فرحة البيت والدني، كل يوم منشوف هيدي النعمة عم تكبر وعم نعيش أحلى شعور".

وتختم بالتوجه بالشكر إلى كل من وقف إلى جانبها وساعدها لتحقيق هذا الحلم "مستشفى بلفو بكل طاقمه الطبي والأطباء في الأردن وعلى رأسهم الدكتورة لورا عبيد التي تابعت حملي منذ البداية إلى حين سفري إلى لبنان للولادة، ومستشفى الحياة برئاسة الدكتور كايد الحلايقه ومختبرات مدلاب في ضاحية الياسمين. لولاهم جميعاً لما نجحنا في إنجاب ابنتنا آية والعيش بهذه النعمة التي نشكر الرب عليها. إنهم أساس النجاح لهذه الولادة الرائعة".

من جهته، يؤكد المدير الطبي ونائب الرئيس عن الشؤون الطبية في مستشفى ومركز بلفو الطبي البرفيسور غسان معلوف في حديثه لـ"النهار" أنه "في ظل الأزمات المتتالية التي تعصف بلبنان، تعتبر أول ولادة لطفلة بعد أول عملية زرع رحم في لبنان والشرق الأوسط وشمال افريقيا بارقة أمل، وتجديد التأكيد على أن لبنان سيبقى مستشفى الشرق الأوسط.

الإنجاز الأول الذي حققناه كان بإجراء أول عملية زرع رحم في لبنان والشرق الأوسط وشمال افريقيا، ونجاح هذه العملية كان بفضل فريق طبي من لبنان برئاسة البروفسور جوزف عبود بالتعاون وإشراف الفريق السويدي برئاسة الطبيبة اللبنانية رندة عاقوري. وكانت عاقوري أول من عمل على هذا الموضوع من خلال تجارب أجرتها على الفئران قبل أن تُحقق حلم الأمومة لكثيرات بنجاح عملية زرع الرحم في السويد".

 

ويشير إلى أننا "دخلنا من ضمن أبحاث عالمية مع 9 دول أخرى حول عمليات الزرع التي تنتهي في العام 2023. وقد دخلنا في هذه الدراسة مع مريضتين، الأولى مريضة أردنية تلقت الرحم من والدتها الواهبة وبعد 11 شهراً على زرع الرحم خضعت لعملية تلقيح الأجنة وأنجبت اول طفلة من عملية زرع رحم. اما المريضة الثانية فخضعت لزرع رحم ونجحت الجراحة أيضاً، في انتظار تحقيق حلم الأمومة. ويبقى الأهم أن نعرف أن هناك لجنة طبية ونفسية تواكب عملية الزرع".

ويوضح معلوف أن "سبب التأخير عن إعلان هذا الخبر السار والانتظار 8 أشهر يعود إلى التأكد من صحة الطفلة وعدم حدوث أي مضاعفات أو مشاكل صحية، وهي أمور طبيعية وطبية يجب متابعتها قبل إعلان هذه البشرى السارة التي هي الأولى من نوعها في لبنان والمنطقة. ونأمل أن نساهم من خلال هذا الإنجاز الطبي في بلسمة جراح الوطن واللبنانيين ليتصدر هذا البلد مجدداً عناوين الأخبار العالمية بإنجاراته التي تواكب أحدث الابتكارات الطبية، وكلنا أمل بأن يولد لبنان ولادة جديدة تعد بغد أفضل."

أما من الناحية الطبية، فيشرح البروفسور في الجراحة النسائية والتوليد والرئيس الفخري لقسم الأمراض النسائية والتوليد في مستشفى ومركز بلفو الطبي جوزف عبود أن "المريضة كانت تعاني من رحم طفولي أو تولد الفتاة دون رحم أو مهبل ولكن بوجود المبيض الذي يعمل بشكل طبيعي. ولا يمكن معرفة هذه الحالة الطبية إلا بعد أن تلاحظ الفتاة غياب الدورة الشهرية وبالتالي تكشف الصور الصوتية عدم وجود الرحم. وفي هذه الحالة لا يوجد علاج لهذه المشكلة الصحية سوى بزرع الرحم."

ويضيف أنه "من المهم لكل امرأة أن تعرف أنه لنجاح هذه العملية يجب أن يكون لديها مبيض. خضعت المريضة اولاً لسحب البويضات وتمّ تلقحيها ببذرة زوجها وتجميد الأجنة في المختبر. أما الشرط الثاني الذي يجب أن يتوافر لإجراء جراحة زرع الرحم أن تكون الواهبة لها صلة قرابة بالمريضة (والدتها- شقيقتها- او احد اقاربها) والتأكد من تطابق الأنسجة كما هي الحال مع زرع الرئة وعدم وجود أي جفاف في الشرايين عند رحم الواهبة".

وبعد التأكد من كل الفحوصات والصور، نجري عملية الزرع من خلال تحضير المريضتين الواهبة والمتلقية في غرفتين منفصلتين، حيث يعمل الفريق الطبي الأول على استئصال الرحم الذي يعتبر أكثر صعوبة وتستغرق العملية حوالى 12 ساعة، في حين يعمل الفريق الطبي الثاني على زرع الرحم الذي يستغرق نحو 6 ساعات. وبعد اجراء الجراحة، تخضع المريضة إلى علاج بالمضادات لتفادي رفض الجسم للرحم، ونحرص على استخدام أدوية لا تؤثر على نمو الجنين لاحقاً في الرحم".

ويوضح عبود أنه "بعد عملية الرزع تخضع المريضة لخزعة كل اسبوعين في عنق الرحم للتأكد من فعالية العلاج الدوائي وعدم رفض الجسم للرحم. وبعد مرور 11 شهراً والتأكد من صحة سير الأمور بشكل طبيعي ودون خوف من الرفض، تمّ تلقيح المريضة بالجنين (بعد سحب البويضة وتلقيحها مع بذرة زوجها) ونجح الحمل من التجربة الأولى بعد 7 أيام على التلقيح. وكان الحمل جيداً ولم نواجه أي مشاكل او مضاعفات، وخلال الأسبوع الخامس والثلاثين من الحمل، ولدت طفلة جراء عملية قيصرية تزن 2.6 كيلوغرامين بصحّة جيدة. ولم تحتاج الطفلة إلى couveuse، وهي من الأطفال القلائل الذين ولدوا بعد عملية زرع رحم في العالم ولم يحتاجوا إلى رعاية صحية بعد الولادة.

وعن ضرورة استئصال الرحم بعد مرور 5 سنوات، يشرح عبود أن "الرحم ليس من الأعضاء الرئيسية التي لا يمكن العيش بدونها مثل الرئة، وبالتالي بعد اجراء عملية زرع الرحم بهدف الإنجاب يمكن استئصاله وتفادي العلاجات الطويلة والدائمة لضمان عدم رفض الجسم له. على سبيل المثال الذي خضع لزرع رئة عليه الخضوع لعلاج مناعي دائم ولا يمكن العيش من دونه، في حين يمكن للمرأة بعد انجاب طفل او طفلين استئصال الرحم والتوقف عن تناول الأدوية التي سيكون لها تأثير ومضاعفات جانبية على المدى الطويل."

ويختم عبود قائلاً إن "كل امرأة تعاني من رحم طفولي او عدم وجود رحم، او التي استئصلت رحمها بعد نزيف من ولادتها الاولى او سرطان، ولديها مبيض يعمل بشكل طبيعي، يمكنها ان تخضع لعملية زرع رحم شرط توافر الواهبة وتطابق الأنسجة."

 

الكلمات الدالة