بن سلمان في القاهرة... باب المندب يدفع مصر والسعودية إلى تنسيق أوسع
جاءت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ولقاؤه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في لحظة إقليمية تفرض على البلدين إعادة ترتيب أولويات التنسيق، مع انتقال الضغوط الأمنية إلى البحر الأحمر وباب المندب وتزايد التهديدات التي تطاول السعودية وممرات تصدير الطاقة.
وعكس البيان الصادر عن الرئاسة المصرية حجم الحضور الأمني في المحادثات. فأكد السيسي أن أمن السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري، وأعلن دعم القاهرة للإجراءات التي تتخذها المملكة لحماية أمنها، فيما شدد الجانبان على ضرورة ضمان حرية وأمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر.
وتكتسب هذه المواقف أهمية إضافية مع التطورات المتسارعة في اليمن. فقد وسع الحوثيون المدعومون من إيران سيطرتهم على الساحل الغربي ووصلوا إلى جزيرة ميون الاستراتيجية في قلب باب المندب، بالتوازي مع هجمات طاولت السعودية وتهديدات للملاحة المرتبطة بها. وزاد المشهد تعقيداً تعطّل خط أنابيب "شرق–غرب" السعودي بعد هجوم بمسيّرات انطلقت من العراق، في وقت تقيّد إيران حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وهكذا بات أمن البحر الأحمر مرتبطاً مباشرة بأمن الطاقة السعودي من جهة، وبقناة السويس والمصالح الاقتصادية المصرية من جهة أخرى، ما يفسر انتقال التنسيق بين القاهرة والرياض إلى مستوى أكثر إلحاحاً.
باب المندب يفرض نفسه
يرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير أشرف حربي أن اللقاء بين السيسي وبن سلمان اكتسب أهمية خاصة في ضوء المشهد الإقليمي الجديد، مشيراً إلى قوة العلاقات بين البلدين وتشابك مصالحهما في التعامل مع التطورات الأخيرة.
ويقول حربي لـ"النهار" إن التقدم الحوثي في اليمن والتطورات في باب المندب والهجمات على السعودية جعلت التنسيق الاستراتيجي بين القاهرة والرياض "أمراً بالغ الأهمية"، وخصوصاً مع تعرض مسارات تصدير النفط السعودي لضغوط متزامنة.
ولا تزال طبيعة التحرك المصري المقبل غير واضحة، فيما يستبعد خبراء في القاهرة انخراطاً عسكرياً مباشراً في اليمن في المرحلة الراهنة. ويعتقد حربي، وهو مساعد سابق لوزير الخارجية المصري، أن المشهد قد يدفع البلدين إلى "قرار استراتيجي" يفتح مرحلة جديدة من التنسيق السياسي والأمني.
ويستعيد في هذا السياق موقف القاهرة التقليدي من الحرب اليمنية، إذ تتعامل مصر بحذر مع أي توسع عسكري في هذا الملف، وتفضّل البحث عن مخارج ديبلوماسية تحول دون انتقال المواجهة إلى صراع إقليمي أوسع بين السعودية وإيران.
ويرى أن تراجع الانخراط الأميركي المحتمل في أزمات المنطقة سيزيد الحاجة إلى تفاهمات بين القوى الإقليمية، لأن اتساع المواجهة سيضع السعودية ومصر وإيران أمام مخاطر يصعب احتواؤها.
ثلاثة مسارات أمام القاهرة
يضع المدير التنفيذي لـ"المركز العربي للبحوث والدراسات" في القاهرة الدكتور هاني سليمان التحرك المصري المتوقع ضمن ثلاثة مسارات متوازية، مرجحاً أن تميل القاهرة إلى الوساطة والاحتواء السياسي والأمني، فيما يبقى خيار الانخراط العسكري المباشر ضعيفاً.
ويقول سليمان لـ"النهار" إن "مصر تملك هامش حركة يسمح لها بالتواصل مع أكثر من طرف. فهي ترتبط بعلاقة استراتيجية مع السعودية، وتحافظ في الوقت نفسه على قنوات مع قوى إقليمية أخرى، بينها إيران، إلى جانب خبرتها الطويلة في ملف اليمن وأمن البحر الأحمر".
وينطلق المسار الأول، وفق سليمان، من تعزيز التنسيق المصري–السعودي لمنع تثبيت واقع جديد عند باب المندب يهدد الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس.
أما المسار الثاني فيتمثل في "توجيه رسالة سياسية إلى الحوثيين والجهات الداعمة لهم بأن استخدام باب المندب للضغط العسكري وتهديد الملاحة ستكون لهما تداعيات تتجاوز حدود اليمن والسعودية إلى مصالح دول المنطقة والاقتصاد العالمي".
ويتركز المسار الثالث على "فتح مساحة للتهدئة والاتصالات غير المباشرة مع إيران والأطراف اليمنية والإقليمية، بما يمنع تحول باب المندب إلى جبهة إقليمية مفتوحة".
وبذلك، تبدو زيارة بن سلمان أبعد من محطة جديدة في العلاقات المصرية–السعودية. فالتطورات عند مدخلي البحر الأحمر والخليج تضع القاهرة والرياض أمام ملف أمني واحد، يمتد من هرمز إلى باب المندب وقناة السويس، ويدفعهما إلى البحث عن صيغة تنسيق تتلاءم مع خريطة إقليمية تتغير سريعاً.
نبض