الإسلاميون والدساترة في تونس... تقاطع الضرورة أم بداية تقارب؟
هل يفتح التقاطع بين الإسلاميين والدساترة في تونس باباً لتقارب سياسي جديد، أم أن تحركاتهم المشتركة مجرد ضرورة فرضتها المرحلة
أعاد ظهور شخصيات إسلامية ودستورية في تحركات احتجاجية مشتركة في تونس، كان أبرزها تظاهرة 25 تموز/يوليو الماضي، فتح واحد من أكثر الأسئلة حساسية في المشهد السياسي: هل تدفع التحولات التي أعقبت إجراءات الرئيس قيس سعيّد الخصمين التاريخيين نحو التقارب، أم أن ما يجمعهما اليوم مجرد تقاطع تفرضه المرحلة؟
السؤال يستحضر تجربة "توافق الشيخين" بين الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي ورئيس "حركة النهضة" راشد الغنوشي، لكنه يُطرح هذه المرة في سياق مختلف، بعدما تغيرت موازين القوى وتراجع حضور الأحزاب التقليدية، فيما برزت قضايا الحريات والمشهد السياسي بوصفها نقاط التقاء بين شخصيات وقوى كانت تقف على طرفي الاستقطاب التونسي.
خصومة صنعت الاستقطاب
شكّل الصراع بين الإسلاميين والدساترة أحد أبرز ملامح الحياة السياسية التونسية منذ ثمانينيات القرن الماضي، إذ قدّم كل طرف نفسه بوصفه نقيضاً للآخر، ووصلت المواجهة في مراحل مختلفة إلى مستويات سياسية وأمنية وقضائية.
ويُطلق مصطلح "الدساترة" على التيار المنحدر من المدرسة البورقيبية التي حكمت البلاد منذ الاستقلال، ويقدّم نفسه باعتباره حامياً للدولة الوطنية والإرث الحداثي الذي أسسه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.
في المقابل، تستند "حركة النهضة" إلى مرجعية إسلامية، ومع إعلانها عام 2016 الفصل بين النشاطين الدعوي والسياسي، بقيت علاقتها بالعائلة الدستورية مثقلة بإرث طويل من الصراع وانعدام الثقة.
لكن المسار الذي بدأ بإجراءات سعيّد في 25 تموز 2021 أعاد رسم خريطة القوى السياسية وأولوياتها. ومع تراجع حضور الأحزاب التقليدية، وفي مقدمها "حركة النهضة"، ظهرت خلال الأشهر الأخيرة دعوات من شخصيات تنتمي إلى تيارات مختلفة لتجاوز بعض الخلافات الأيديولوجية والتركيز على ملفات مشتركة، وخصوصاً الحريات العامة.
وتُرجم هذا التقاطع في بيانات ومواقف متشابهة، ثم في مشاركة شخصيات من مشارب سياسية مختلفة في تحركات احتجاجية مشتركة، كان أبرزها تظاهرة 25 تموز الماضي.

تقارب أم تقاطع ظرفي؟
أعادت هذه التطورات طرح احتمال تشكل أرضية مشتركة بين العائلتين السياسيتين، إلا أن أستاذ الجامعة والمحلل السياسي عبد الجليل بوقرة يستبعد أن يكون التنسيق بين بعض الشخصيات مؤشراً إلى "تقارب حقيقي" بين المشروعين.
ويقول لـ"النهار" إن "منطق التاريخ يؤكد أن المشروع الوطني الذي تمثله المدرسة الدستورية يتناقض جذرياً مع المشروع ذي المرجعية الإسلامية الذي تتبناه جماعة الإخوان المسلمين في تونس والمنطقة العربية"، معتبراً أن قيادات الإسلاميين تدرك بدورها عمق هذا التناقض.
ويربط بوقرة التحركات الحالية بحسابات سياسية لدى بعض الشخصيات داخل العائلة الدستورية أكثر من ارتباطها بمراجعات فكرية، معتبراً أن بعضها أصبح مستعداً لتجاوز ما يصفه بـ"الثوابت الدستورية" من أجل "الوصول إلى غنيمة الحكم".
ويستحضر تجربة التوافق بين قائد السبسي والغنوشي عقب انتخابات 2014، التي يعتبر أنها "مثّلت خروجاً عن المرجعية الدستورية"، مشيراً كذلك إلى مشاركة شخصيات دستورية في تحركات ضمت إسلاميين بعد سجن رئيسة "الحزب الدستوري الحر" عبير موسي.
وبالنسبة إليه، يمكن أن ينتج الظرف السياسي الحالي "تقاطعاً" بين الطرفين، لكن تحويله إلى تقارب مستدام "يصطدم بخلاف أعمق يتصل بطبيعة الدولة وهويتها".

شبح "توافق الشيخين"
سبق أن تجاوز الإسلاميون والدساترة خصومتهم عندما فرضت موازين القوى صيغة للتعايش السياسي. فبعد انتخابات 2014، اختار حزب "نداء تونس" بقيادة قائد السبسي الدخول في شراكة مع "حركة النهضة" بقيادة الغنوشي، في تجربة عُرفت بـ"توافق الشيخين".
وسعى التوافق حينها إلى إدارة الاستقطاب بين المعسكرين، لكنه بقي موضع انقسام سياسي واسع، بالتزامن مع الأزمات والانقسامات التي شهدها "نداء تونس" وانتهت بتفككه.
ولا تزال تلك التجربة حاضرة في النقاش الحالي. أنصارها يعدّونها تسوية فرضتها موازين القوى وحمت الاستقرار السياسي في مرحلة دقيقة، فيما يعتبر معارضوها أنها ساهمت في تعميق فقدان الثقة بالطبقة السياسية وكانت من العوامل التي سبقت تحولات 25 تموز 2021.
لهذا، يحمل أي حديث عن تقارب جديد عبء تلك التجربة، وخصوصاً داخل العائلة الدستورية التي بنى جزء من قواها حضوره السياسي والانتخابي على مواجهة "حركة النهضة" والإسلام السياسي.
حدود الالتقاء
المحلل السياسي حسان العيادي يضع التقاطعات الأخيرة ضمن هذا الإطار، ويستبعد بدوره وجود تحول سياسي أو فكري يسمح بالحديث عن تقارب بين العائلتين.
ويقول لـ"النهار" إن الخلاف بين الإسلاميين والدساترة "لا يزال قائماً"، وإن التحركات الأخيرة شهدت مشاركة شخصيات محسوبة على الدساترة "من دون أن تتحول إلى توجه عام داخل هذه العائلة السياسية".
ويشير إلى أن مشاركة بعض تلك الشخصيات في احتجاجات ضمت وجوهاً إسلامية "أثارت انتقادات داخل الأوساط الدستورية"، إذ تعتبر شريحة من قواعدها أن التقارب مع "حركة النهضة" يحمل كلفة سياسية وانتخابية.
ويربط العيادي هذه الحساسية بطبيعة الرصيد الانتخابي للدساترة، إذ تأسس جزء كبير منه على معارضة الإسلام السياسي، ما يجعل الانتقال نحو التحالف معه مخاطرة بخسارة قسم من القاعدة الشعبية.
وهكذا، يفتح اشتراك شخصيات من المعسكرين في معارضة بعض سياسات السلطة مساحة جديدة للتقاطع، فيما تبقى إمكانية تحويلها إلى تحالف سياسي مرتبطة بقدرة الطرفين على تجاوز إرث ثقيل من الصراع واختلافات جوهرية في رؤيتهما للدولة. وتبقى تجربة "توافق الشيخين" حاضرة في الخلفية، سواء بوصفها سابقة يمكن استعادتها تحت ضغط موازين القوى، أو تجربة تجعل تكرار التقارب أكثر صعوبة.
نبض